Farewell

All good things come to an end.

Though my message might have not ended I think my points were delivered, I think it is time now to put a period, close this notebook and start a new one, I’d like to thank you all, I learned a lot from this and I hope to hear from you, drop me an email if you feel you want to chat safybh@yahoo.com


إلى الأخت العزيزة لميس، كلام يجب أن يقال…

إلى الأخت العزيزة لميس،

أعتذر عن الرد المتأخر عن سبق إصرار وترصد، فأنا لم أشاء أن أكتب هذه النقاط في وسط الصراخ الذي كان يتعالى على مقالك المعنون “ثورتنا بحاجة.. لثورة !” فارتأيت أن أنتظر قليلاً لعل صوتي يكون أكثر وضوحاً.

مما جذبني في مقالك قولك “أدوار السياسيين والحقوقيين منوطه بشكل كبير بتحركات الشارع ونحن نستمد قوتنا من ضغط الشارع على الحكم” وأيضاً “أشعر بخنجر يخترقني عندما يسألني احدهم مندهشاً : أما زالت هناك تحركات في البحرين.. الناس تزورها والحياة طبيعية !!” وهنا يجب أن أرد بنفس شجاعة الطرح لأقول: ثورتنا بحاجة… لنشطاء أفضل!

أتمنى ألا يُفهم كلامي كتحامل على أي شخص ولكني أحلل الوضع ببراغماتية اعتدت عليها بسبب الوقت الطويل الذي قضيته وسط الأرقام والنظريات مما جعلني قادراً على التجرد من المشاعر حين أحتاج إلى التوصيف العلمي.

شاهدنا وشاهد العالم كيف تحولت طالبة صغيرة من باكستان إلى أيقونة عالمية حتى أن اليونيسف قامت بوضع صورتها في حسابها الرسمي في تويتر ونُقلت قصتها بأكثر من عشر لغات و كتبت عنها المنظمات العالمية عدة تقارير بخصوصها، ومن ثم شاهدت كيف يعتقل من الجزيرة التي أنتمي لها 40 طالباً من باص المدرسة وكيف يعتقل الطلاب من المدرسة في جدحفص الصناعية والبلاد القديم ويمر الأمر مرور الكرام دون حتى مقال واحد من نشطائنا الكبار.

حين يسأل أحد “أما زالت هناك تحركات في البحرين” فإن الخلل ليس في المتظاهرين بل بكل صراحة هو في الإعلاميين الذين لا يستطيعون إيصال الصورة إلى العالم، سأعود إلى الأرقام التي طرحها وزير العدل حين قال أن البحرين شهدت خلال عام ما يزيد عن 12 ألف “عمل تخريبي” وكلنا نعرف أن الوزير كان يقصد أكثر من 12 ألف مسيرة خلال عام، أي حوالي 33 مسيرة كل يوم في البحرين، وإن كانت بعيدة على العاصمة في معظمها إلا أننا لا نستطيع أن ننسى أن سوريا لم تصل مسيراتها لوسط العاصمة ولكن هذا لم يمنع الإعلام من نقلها ولم تهم تلك المعلومة أياً من المتلقين.

ميدانياً لم تهدأ الأمور، رغم تكالب قوى الـ”خصوصيات” والقمع ضدها لمدة سنتين، بل إننا اليوم لم نعد نحتاج لجهة تدعو للتظاهر، ولم نعد نحتاج إلى قيادة مركزية تعطي الأوامر، نعم لقد أصبحت الثورة جزء من حياة الطفل والمرأة والشيخ والشباب، بالإمكان الرجوع إلى عدد المعتقلات وعدد الشيوخ المعتقلين وعدد الشباب وعدد الأطفال لنعرف أن الجميع مؤمن بالتغيير رغم غياب مؤشراته لمدة طويلة، ورغم فشل الإعلاميين والسياسيين في استثمار الحراك، بل إن أولئك الذين يعانون الأمرين يمتلكون من الأمل أكثر من السياسيين والإعلاميين ويرفعون شعاراً يجسد هبة السماء لهم ولعنتها على من يريدون استعبادهم، يرددون دوماً…”صمود”

حقوقياً قد حصحص الحق منذ أن نطق بسيوني بكلماته، فالسلطة التي كذبت مسبقاً ستكذب مجدداً مادام الكاذبون القدامى في مناصبهم وما دامت الأسباب التي دفعتهم للكذب لا تزال موجودة ولم تعد إدعائات النظام تجد إذناً مصغية.

سياسياً وإعلامياً نعاني من نقاط ضعف يجب الاعتراف بها لكي نستطيع الانتقال إلى الأمام، فلم نرى أي تحرك يذكر من أجل إنشاء تحالفات وتوحيد قوى سياسية على المستوى المحلي أو الإقليمي، وهناك من لا يزال يجهل حجم الحراك الشعبي كما أسلفتِ الذكر.

أما عن كون “الناس تزورها والحياة طبيعية” فهذا أمر طبيعي للثورة السلمية، فلو كان الشعب يريد أن يحرق البلد ويجعل من كل منطقة مزدحمة نقطة خوف ورعب لما عجز ولا خانته الوسائل التقليدية التي نعرفها من قصص الثورات والحراك التحرري سابقاً، لكنهم أنقى من ذلك ويحملون على محمل الجد مبادئ الرحمة والتسامح التي هي جزء من عقيدتهم وثقافتهم، وأسجل هنا استغرابي من كونك تستغربين أن زوار البحرين لا يرون الحراك الشعبي وهم مجرد سواح لا ناقة لهم ولا جمل ولا يستطيعون التغيير بتلك الدرجة الكبيرة بينما لمتي من أراد أن يري ولي العهد والذي هو “قطب” من أقطاب النظام ما يجري كل ليلة في قراهم في مناسبة نادرة جداً يرونه فيها، فهل هناك زوار VIP وزوار “البطة السودة”؟

وإما من لبسوا شعار “أنا الشهيد التالي”فهم رجال صدقوا ما عاهدوا…”، ولا يحب المساومة عليهم ولا الانتقاص مما يقدمونه، ولا يجب أن نعطي من يصطاد في الماء العكر فرصة للحديث عن “ثقافة الموت”، هؤلاء يبحثون عن الحياة الكريمة ونحن نريد أن يستمتعوا بالحرية التي نطلبها لهم، ولا أعتقد أن عدد الشهداء يصنع فرقاً، فلو كان ذلك صحيحاً لكان الحل في سوريا منذ شهور.

حلقة الإنتاج في الحقل السياسي كما في أي حقل أخر يجب أن تكون مكتملة لكي لا تضيع جهود أي مجموعة منتجة، لذلك فإننا يجب ألا نركز في الشهيد التالي بل كيف نستطيع تجنيب البلد المزيد من الشهداء والتركيز على كيف لا نضيع دماء من ضحوا من أجل وطن حر.

وأما الدفع بأن عدم لبس عبارة الشهيد التالي يسقط عنا بعض الواجبات فهو كأن أدفع أنا أنني لم أرغب في العمل السياسي ولذلك لا يجب علي أن أهتم بما يحصل، وأنا هنا أقولها وبصدق، أنا لم أرد أن أكون جزءاً من أي عمل سياسي، وكنت أستطيع مواصلة حياتي الطبيعية لو أردت، ولم أحمل شعار أنا الشهيد التالي بل حتى إنني أكره رفع علامة النصر، لكنني أعي أن اليوم الذي أضع نفسي فيه في حِلٍ من أداء الواجبات التي يقوم بها غيري فأنا لا أستحق الحقوق التي يطالبون بها، بل أكون حينها مجرد إقطاعي أخر أميز بيني وبين الآخرين كما يميز النظام بين ذوي العرق المصون وعامة الشعب، لن أحاكم الآخرين لأني ببساطة لا أريد من يحاكمني على خياراتي ولكني لن أدعي أنني غير ملزم بما أطالب الآخرين به.

 

مجموعة ملاحظات عابرة: يجب ألا نجعل أي شخص يخجل من إعطاء القليل، الحرمان أقل منه.

 

التغريد في تويتر أحد أنواع التعبئة ونشر الوعي ويعطي للعالم صورة مشرقة عن شعبية الثورة خصوصاً للذين يقضون معظم يومهم في العمل ولا يستطيعون المشاركة بصورة واسعة كما يتمنون.

 

النظام يدفع لشركات العلاقات العامة الملايين والمغردون ينسفون ذلك بدون مقابل فلا يجب أن نجعلهم يخجلون من ذلك.

 

المطالبة بمجلس يمتلك السلطة الرقابية ويمنع التفرد بالسلطة ويمنع البطش يقلل من مصداقية المطالب به عدم صبره على بعض المنتقدين بحروف تقل عن 140 حرف، كيف نتوقع ممن لا يصبر على ذلك أن يصبر على جلسات الاستجواب دون أن يحل المجلس كما حصل في 75 وجاء بنا إلى هذه الحالة الدكتاتورية البشعة؟

 

اعتقال علي سلمان وخليل المرزوق لن يخدم الثورة أبداً، كذلك لن يخدمها اعتقال طفل أو طفلة، يجب ألا نكيل بمكيالين لكي يصدق الناس أننا نطالب بالمساواة والعدل.


هرطقات خائن (1)

الشاعر التركي ناظم حكمت كان ممن ناضل ضد الحكم الوراثي مع أتتاتورك، ثم عارض أتاتتورك فأعتقل وفر إلى روسيا، وسحبت جنسيته هو كذلك ومنعت أشعاره من النشر في تركيا منذ 1950.

بعد 58 عاماً من إسقاطه جنسيته وبعد وفاته أعيد له إعتباره وإعيدت له الجنسية، هو الذي قال:

“أجمل البحار.. ذلك الذى لم يزره أحد.. أجمل الأطفال.. ذلك الذى لم يكبر بعد.. أجمل أيامنا تلك التى لم نعشها بعد.. أجمل الكلمات التى وددت قولها لك.. هى تلك التى لم أقلها بعد”

وقال أيضاً

“إن كان الوطن هو ما تكنزون في خزائنكم وصناديقكم المزخرفةإن كان الوطن هو أن يرتجف الفقير مثل الكلب وتنتابه الحمى صيفا وشتاء

إن كان الوطن هو إمتصاص دمائنا في المعامل

إن كان الوطن هو أرضا للسادة الإقطاعيين

إن كان الوطن هو حكومة السياط و الخوازيق

إن كان الوطن هو تكميم الأفواه و دفع الإتاوات

إن كان الوطن هو قاعدة أمريكية و قنابل أمريكية و بوارج أمريكية

إن كان الوطن هو الأسر في زنازينكم المتهرئة

فإنني أخون الوطن”


لعنة ميداس

تذكر الأساطير اليونانية قصتين لملك من ملوك الإغريق اسمه ميداس Midas، تتحدث الأولى عن موهبة قدمت له من الآلهة بأن أعطتها اللمسة الذهبية، كل ما كان يلمسه كان يتحول إلى ذهب، أعطاه ذلك القدرة على أن يكون أغنى الملوك، ولكن كل الذهب في العالم لم يعطه السعادة فكان غير قادر على الأكل لأن الطعام الذي يلمسه يتحول إلى ذهب، بل تقول الأسطورة أن ميداس لمس أحد أبنائه فتحول إلى تمثال من ذهب فذهب إلى الآلهة يرجوهم أخذ تلك الموهبة التي أصبحت لعنة.

القصة الثانية التي ذُكر فيها ميداس كانت أنه كان يستمع إلى عزف إله و أحد أبناء الآلهة وسألوه من كان الأفضل ولم يختر عزف الإله أبولو فعاقبه الإله بأن مسخ أذنيه لتشابه أذني الحمار، فكان يغطيها بالطاقية الإفرنجية خجلاً ولم يكن يرفعها خوفاُ من أن يرى ذلك أحد، لكنه كان مضطراً إلى أن يحلق شعره بعد أن طال، فرفع الطاقية أمام حلاقه بعد أن هدده أنه لو أخبر أحداً بذلك سيقتله، حاول الحلاق جاهداً أن يخفي ذاك السر لكنه أعياه وجعله خائفاً من التواصل مع أصدقائه خوفاً من زلة تفضحه، بعد أن فاض به الأمر ولم يعد قادراً على إخفاء السر اتجه إلى تل بعيد عن المدينة وحفر حفرة فيها وصرخ “لدى ميداس أذني حمار” دون أن يسمعه أحد، لكن القصب الذي نبت على تلك التلة أصبح كلما هبت عليه ريح يصدر صوت الحلاق بنفس الجملة التي صرخ بها في الحفرة.

قبل أسبوع دُعيت للمشاركة في فعالية عن التحولات الثقافية التي صاحبت الربيع العربي، كانت الدعوة مفاجئة، أبلغت بها قبل وقت قصير جداً ولم أكن أرغب فعلاً بالمشاركة لأنها تذكرني بالفعاليات المملة التي كان بعض المثقفين ينظمونها في السنين التي سبقت الثورات والتي مللت من حضورها بعد مشاهدة التغيير الثقافي الفعلي الذي قام به مجموعة من الشباب الذي يرفض الركون إلى المقاهي والصالونات الثقافية، لحسن الحظ لم تكن هذه الفعالية كسابقاتها.

 قبلت تلك الدعوة لأني بصراحة احتجت لبعض الوقت لإعادة التفكير في التغير الذي مررت به في العام والنصف الماضي ولأنها فرصة للقاء الكثير من الأصدقاء، المفاجأة كانت أنه فور دخولي إلى المركز الثقافي وجدت في وجهي صور مألوفة جداً على الإعلان الداعي للفعالية، كانت صورة لجدار في البحرين كتب عليه متظاهرون شعارات مناوئة ثم مسحتها قوات النظام وأعيدت الكتابة وأعيد المسحوهكذا إلى أن أصبح الجدار مليئاً بعدة ألوان وكلمات تبدو وكأنها تحاول كسر الأصباغ التي استخدمت لتغطيتها لتخرج للعلن برسالتها، حين سألتهم من أين حصلوا على الصورة قالوا أن أحد المشاركين (غير بحريني) مر بقرية بالقرب من المطار فرأى ذاك الجدار وقرر أن يلتقط الصورة ويجعلها كمثال على الكبت وغياب مساحات التعبير الحر.

قد يبدو للوهلة الأولى أن النظام قد أُسبغت عليه نعمة من آلهة النفط التي خصصت له مبلغ يقارب 10 أضعاف ميزانيته السنوية من أجل القضاء على المطالب الديمقراطية، لكن في الحقيقة هي لعنته التي تقض مضجعه، فبالرغم من أطنان الذهب إلا أنه لا يستطيع أي من رموز هذا النظام الذهاب إلى أي قرى البحرين دون أن يرى الأصباغ على الجدران والتي كأنها صنعت من دماء الجرحى تحاول الخروج من الجدار والوصول إليه، أو دون أن تلاحقه أشباح القتلى وذكرياتهم ، أو أن يغير طريقه ليذهب بين الأزقة ليهرب من إطارات تغلق الشارع، ذاك الذهب اشترى له من يستطيع الكذب ولكن لم يستطع شراء من يصدق تلك الكذبة، فأصبحت شركات الإعلام التي يدفع لها الملايين كأنها تصنع طعام من ذهب، يدفع لها لتنتج طعام لا يمكن أكله، ولو حاول أن يمنعنا من الحديث عن شكل أذنيه فذلك لا يهم فعلاً، جدران البحرين كقصب أثينا كلما مر عليها ريح ستحمل معها الصوت ليسمع العالم كله صدى صرخات تطلق في الظلام كل ليلة وتقولارحل ارحل يا سفاح

محمد حسن


كعك على الرصيف…غسان كنفاني

قصة قديمة تذكرتها مؤخراً للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، أعتذر مسبقاً عن كثرة الأخطاء الاملائية لأنني نقلتها على عجل من كتاب إصفرت أوراقه وبدأ بالتداعي، بالفعل نحن لا نصبح أصغر سناً حتى ولو أحسسنا بذلك.

 

كعك على الرصيف

 

أتكون محض مصادفة غربية أنني التقيت به, الآن, في نفس المكان الذي شاهدته فيه أول مرة؟

 

لقد كان مقرفصا هناك؟ كأنه لم يزل كذلك حتى اليوم: بشعره الأسود الخشن, وعينيه اللامعتين ببريق رغبة يائسة, منكباً على صندوقه الخشبي يحدق إلى لمعان حذاء باذخ..لقد استطاعت صورته أن تحفر في عظم رأسي قبل عام واحد, حينما رأيته في تلك الزاوية بالذات, لا لشيء غير عادي, سوى أنني ـ أنا نفسي ـ كنت احتل هذه الزاوية قبل عشر سنوات, حينما كانت المحنة على اشدها, وكانت طريقتي في مسح الأحذية تشابه طريقته إلى حد بعيد, كان الحذاء بالنسبة لي هو كل الكون:رأسه وكعبه قطبان باردان, وبين هذه القطبين كانت تتلخص دنياي.

 

وقبل عام, حين مررت به, قاءت شفتاه عرضا آليا دون أن تنظر عيناه إلى الحذاء:

ـ أستطيع أن أحوله إلى مرآة، يا سيدي..

وبدافع من رغبة خاصة, تعوضني عن شهور طويلة من الأسى, ركزت قدما على حدبة الصندوق حيث تيسير لي أن أشاهد خطاً عريضاً من العرق يبلل ظهر قميصه الأزرق المتسخ, وكانت عضلات كتفه الضامرة الصغيرة تنقبض وتنبسط, وكان رأسه يهتز بانتظام..

ـ هذا حذاء رخيص..

 

لم أحس الإهانة على الإطلاق, فلقد كان شعوري حينما كنت أشاهد حذاء رخيصا يشابه شعوره, لكني لم اكن اعبر عنه بهذه السذاجة, كان الحذاء الرخيص يشعرني باقتراب غامض بيني وبين العالم.. ورغم ذلك, فلقد رغبت في تغير الحديث..

ـ كم عمرك؟

ـ إحدى عشر سنة..

ـ فلسطيني؟

 

هز رأسه فوق الحذاء, دون أن يجيب, أحسست بأنه يخفي شعورا بخجل صغير..

ـ أين تسكن

ـ في المخيم

ـ مع أبيك؟

ـ لا, مع أمي..

ـ أنت طالب أليس كذلك؟

ـ نعم.

 

ونقر بإبهامه على النعل, ثم طالعني بعينين صافيتين, باسطاً كفه الصغيرة تجاهي, وأحسست بخيط رفيع من الأسى في حنجرتي, وتنازعي شعوران حادان: هل أعطيه أجرته فحسب؟ أم أزيد عليها؟ كنت حينما أعطى اجري حسب استحقاقي أحس شرف عملي, ولكنني حين كنت أوهب هبة ما كنت اقبلها وشعور بالإهانة يتراكم فوق سعادتي في أنني كسبت اكثر…

 

لقد طواني المنعطف مبتعدا عن نظراته وهي تلسع ظهري ذلك أنني أعطيته استحقاقه فحسب…وحينما نظرت خلفي كان قد صرف نظره عني وتابع تحديقه إلى ارض الشارع راغبا في اصطياد حذاء آخر..

 

ولكن صلتي “بحميد” لم تنته بانتهاء هذا المنظر.. فبعد اقل من شهر واحد عينت مدرساً في مدارس اللاجئين, وحين دخلت إلى الصف لأول مرة شاهدته جالسا في المقعد الأول.. كان شعره الأسود الخشن اقصر من ذي قبل, وكان قميصه المهترىء مجرد محاولة فاشلة لستر عريه.. وكانت عيونه مازالت تلتمع ببريق رغبة يائسة..

لقد سرني انه لم يعرفني, ورغم انه من الطبيعي أن ينسى ماسح الأحذية زبائنه العابرين فلقد كنت أخشى من كل قلبي أن يتذكرني, ولو فعل لكان وجودي في الصف حرجا لا مهرب منه.. وطوال درسي الأول كنت أحاول عبثاً أن انتزع بصري عن وجهه المكتسي بتحفز مشوب بقلق صغير..لقد كان الصف كله مزيجاً من عدد كبير من أشباه حميد , صغار ينتظرون بفارغ الصبر صوت الجرس الأخير كي يشدوا أنفسهم إلى أزقة مترامية في مجاهل دمشق الكبيرة يصارعون الغروب من اجل أن يكسبوا العشاء.. كانوا ينتظرون الجرس بتوق جائع كي يتوزعوا تحت السماء الرمادية الباردة, كل منهم يمارس طريقته الخاصة في الحياة… وكانوا يعودون, إذ يهبط الليل إلى خيامهم أو إلى بيوت الطين حيث تتكدس العائلة صامتة طوال الليل إلا من أصوات السعال المخنوقة.. كنت أحس بأنني ادرس أطفالا اكبر من أعمارهم.. اكبر بكثير, كل واحد منهم كان شررا انبعث من احتكاكه القاسي بالحياة القاسية.. وكانت عيونهم جميعهم تنوس في الصف كنوافذ صغيرة لعوالم مجهولة, ملونة بألوان قاتمة, وكانت شفاههم الرقيقة تنطبق بإحكام كأنها ترفض أن تنفرج خوف أن تنطلق شتائم لا حصر لها دون أن يستطيعوا ردها..كان الصف إذن عالما صغيرا.. عالما من بؤس مكوم لكنه بؤس بطل..

 

وكنت أحس بينهم بشيء من الغربة.. وأورثني هذا الإحساس رغبة جامحة في أن أحاول الوصول إلى قلوبهم قدر استطاعتي..

 

كان حميد طفلاً متوسط الذكاء, ولكنه لم يكن يدرس بالمرة.. وكنت أحاول باتصال أن ادفعه ليدرس ولكن هذا الدفع لم يكن يجدي..

-حميد, لا تقل لي انك تفتح كتابا في بيتك… انك لا تدرس على الإطلاق..

-نعم يا أستاذ

-لماذا لا تدرس ؟

-لأنني أشتغل..

-تشتغل حتى متى ؟

 

وتطل العيون الواسعة الحزينة فيما تأخذ الأصابع الصغيرة تدور باضطراب طاقية متسخة.. ثم يهمس صوت بائس:

-حتى منتصف الليل.. أستاذ.. إن الخارجين من دور السينما يشترون كعكي دائما إذا انتظرتهم..

-كعك؟ أنت تبيع كعكا ؟

ويرد صوته بخجل هامس:

_ نعم يا أستاذ.. كعك..

-لقد كنت أظن.. لا اذهب إلى مكانك.. اذهب!

 

وطوال تلك الليلة, كنت أتصور المسكين الصغير يدور حافيا في شوارع دمشق النظيفة ينتظر خروج رواد السينما.. كنا في تشرين, وكانت السماء تمطر في تلك الليلة.. وتصورته واقفا في زاوية ما راعشا كريشة في زوبعة.. ضاما كتفيه قدر جهده إلى بعضهما, وداسا كفيه في مزق ثوبه محدقا إلى صحن الكعك أمامه.. منتظرا شخصا ما يخرج من القاعة جائعا كي يشترى كعكة.. شخصين.. ثلاثة.. ويتسع فمه بابتسامة, يائسة ويحدق إلى ميازيب تشرين من جديد.

 

وفى اليوم التالي.. شاهدته في الصف, كان النعاس يأكل عيونه, وكانت رأسه تنحدر على حين فجأة إلى صدره, ثم ينهضها بعجز.

-أتريد أن تنام يا حميد ؟

-كلا يا أستاذ..

-إذا أردت أن تنام فلسوف آخذك إلى غرفة المدرسين..

-كلا يا أستاذ..

 

ولكنه كان يبدوا منهكا بصورة حادة, وهكذا, اقتدته إلى غرفة المدرسين, كانت غرفة عارية إلا من صورة رسمها مدرس الرسم الفاشل ببقايا ألوان الطلبة، وكانت المقاعد الثقيلة منثورة تحت الجدران الرطبة وحول مائدة صغيرة تكدست عليها أكوام الدفاتر والكتب, لقد وقف حميد في باب الغرفة, مستشعرا كما يبدوا إحساسا غريبا, كان قلقا بعض الشيء, وكانت طاقيته تدور بين أصابعه الصغيرة, وعيونه تتناوب التحديق إلي, والى الغرفة..

 

- نم على أي مقعد, سوف نضع حطبا في المدفأة.

تحرك بطيئا إلى المقعد القريب, وجلس فوقه نصف جلسة, فيما إلتمعت عيناه بسعادة الدفء.

-هل بعت كثيرا من الكعك ليلة أمس ؟

-ليس كثيرا..

 

كان في صوته رنة أسى عميق, وكان وجهه يرتجف:

-لماذا ؟

-نمت, نمت أثناء انتظاري انتهاء الفيلم, وحينما صحوت كان كل شئ قد انتهى.

-نم الآن, سوف أعود إلى الصف.

 

ولكنني لم أعرف كيف أتممت درسي, كنت أحس بقلق غريب, وكنت أخشى أن أنفجر بالبكاء أمام الطلبة.

 

وفى الفرصة كان حميد يغط في نوم عميق, وكان انفه الصغير مازال مزرقا من فعل البرد إلا أن الدم كان قد بدأ يرد إلى وجنتيه. لم يسأل أحد من الأساتذة أي سؤال, إذ أن حوادث كثيرة من هذا الطراز كانت تحدث كل يوم, واكتفى الجميع برشف الشاي صامتين.

 

وطوال الأيام التالية كنت ابحث عن طريقة ادخل فيها إلى حياة حميد دون أن يمسه فضولي, وكانت هذه العملية صعبة للغاية, إذ أن كل طالب في مدرسة النازحين كان يصر على الاحتفاظ بمأساته الخاصة, وضمها بعنف في صدره..كأنما كان هنالك شبه اتفاق مشترك على أن هذا واجب وضروري..

 

إن الأشياء الصغيرة, حينما تحدث في وقتها, يكون لها معنى اكبر منها, اقصد أن هنالك بداية صغيرة لكل حادث كبير..

 

ففي أحد الأيام آتى أخي الأصغر إلى المدرسة يحمل طعام الغداء لي, وحينما أعلمني خادم المدرسة بذلك, أرسلت حميدا إليه كي يأخذ منه أوعية الأكل. وعندما عاد حميد أحسست بأنه أهين بكيفية أو بأخرى, ولذلك طلبت منه أن يراجعني في غرفة المدرسين, أثناء فرصة الغداء.

 

دخل حميد غرفة المدرسين قلقا كالعادة, كنت وحيدا, ورغم ذلك فان قلقه لم يبارحه, كانت أصابعه تدور طاقيته باضطراب, وكانت عيونه تلتمع كعادتها..

ـ حميد, هل أعجبك أخي؟

ـ انه يشبه أخي..

لم اكن أتصور أن الموضوع سوف يطرق بهذه السرعة…ولذلك فلقد سألت متعجبا:

ـ أخوك؟ أنني اعرف أن لك أختين فحسب..

ـ نعم. ولكن أخي مات..

ـ مات؟..

أحسست باضطراب أنا الآخر, فهذا الصغير يضم صدره الضامر أسرار كبيرة..

ـ كان اصغر منك..ها؟

ـ كلا..اكبر مني..

ـ كيف مات؟

ولكن حميد لم يجب, وشاهدته يغالب دمعا غلبه في نهاية الأمر, وامتلأ وجهه الصغير بدمع غزير اخذ يمسحه خجلا بعض الشيء…

ـ حسنا..لا تتكلم ..أتعرف إن أخي أنا الأخر مات؟

ـ صحيح؟

ـ نعم.. لقد دهسته سيارة كبيرة..

كنت اكذب..ولكنني رغبت في أن أشارك أحزان الصغير بكيفية ما..وشعرت بان كذبتي أخذت طريقها السوي إلى رأسه إذ التمعت عيناه بأسى مفاجئ ومضى يحكي ببطء:

ـ أخي لم تدهسه سيارة…لقد كان يعمل خادما في الطابق الرابع..وكان سعيدا..

كان حميد يستخدم بذراعيه كي يوضح كلامه وكانت دموعه تنساب دون أن يشعر..

ـ لقد اطل في قفص المصعد فقطع المصعد رأسه وهو يهبط..

ـ مات؟

 

كان السؤال سخيفا, ورغم ذلك فلقد أحسست بضرورته من اجل أن أهدهد قشعريرة مفاجئة تكلبت في جسدي..وهز حميد راس ثم سال فجأة:

ـ هل قطعت السيارة راس أخيك؟

أخي؟آه..نعم..نعم لقد قطعت رأسه..

ـ هل حزنت عليه كثيرا؟

ـ نعم..

ـ هل تبكي عندما تتذكره؟

ـ ليس كثيرا…

ـ قل لي يا أستاذ… هل لك أب؟

ـ طبعا , اعني نعم, لماذا؟

 

خطا نحوي وسأل بلهفة راعشة:

ـ هل هو بخير؟

ـ نعم..لماذا؟..

 

تكهفت عيناه بأسى فاجع وشعرت بان للمأساة ذيولا تعصر رئتيه…ولكنني كنت على يقين بان حميد سوف لن يجيب على أي سؤال…لقد انطبقت شفتاه بإحكام مصر..ويمم عيناه شطر الحائط العاري…كان بنطاله قصيرا ممزقا وكان قميصه الأزرق متسخا مهترئا…وحين شاهدني أطالعه باستغراب لململم نفسه واحمر وجهه قليلا وازدادت سرعة الطاقية الصوفية الدوارة بين أصابعه.

 

لقد بدأت مشكلة حميد تدخل شيئا فشيئا فيما بعد, إلى حياتي.

كنت لا أستطيع على الإطلاق أن أكون عابرا في حياته, متفرجا إلى مأساته, ومن بين عشرات المآسي التي حفل بها صفي لم تجذبني إلا عيون حميد البائسة اليائسة..صرت أفكر فيه على الدوام.وكثيرا ما كنت اقرر أن أبدأ بنفسي, خارج المدرسة, بحثا متصلا حول حياة حميد..بل لقد فكرت يوما في أن ابحث عن طريقة تجعل أمر مساعدته ماليا شيئا طبيعيا لا يحمل رائحة الإهانة..ولكن كل شيء كان يدور مجهدا حوالي, وكان ينتهي إلى الفشل أمام العيون التي تحتوي, إلى جنب الأسى , شيئا كثيرا من الكبرياء والتعالي..

 

إلا أن علاقتي بقضية حميد أخذت تخفت شيئا فشيئا بعد سلسلة من الأحداث الصغيرة جعلتني احمل نقمة غريبة على هذا المخلوق الصغير, المقعد, المكوم فوق أسرار, لا تنتهي إلي لتبدأ, ولا تبدأ إلا لتستمر..فلقد حدث ذات يوم أن شكا إلي حميد أستاذا زميلا أهانه إهانة بالغة.ولقد قال حميد, يومها, وهو يحدق إلي مكشرا بعض الشيء:

ـ إنني يتيم…وإلا لكنت استدعيت أبى..

ـ هل..أبوك ميت؟..

قال بخجل وهو يطأطئ رأسه:

ـ نعم..

ـ لماذا لم تقل لي ذلك من قبل؟

لم يجيب حميد على سؤالي واكتفى بان هز رأسه باتصال., وصمت:

ـ أنت الذي تصرف على عائلتك إذن؟

ـ نعم..أنا الذي اصرف..أن أمي تكسب قليلا من تنظيف مخازن وكالة الغوث..ولكنني أنا اكسب اكثر..

 

وصمت حميد قليلا ثم اندفع قائلا وهو يبسط كفيه الصغيرتين مستعينا بحركاتهما:

ـ إنني اشتري كل ثلاث كعكات بعشرة قروش..أبيع الكعكة الواحدة بخمسة قروش..

ـ أما زلت تنام وأنت تنتظر خروج رواد السينما؟..

ـ كلا..لقد تعودت السهر..

 

هل من الضروري أن يعترف المدرس, بين الفنية والأخرى, بأنه يلجا إلى الغش كي يعين طالبا مسكينا على النجاح؟.لقد كنت أنا افعل ذلك..كانت علامات حميد جيدة على الدوام رغم انه كان متوسط المستوى, لكني لم اشعر قط بعدالة علاماتي بقدر ما كنت اشعر هذه العدالة حينما كنت أسجل علامات حميد..

 

ولكن القضية لا تتحرج هنا على الإطلاق, لقد بدأت تتحرج فقط حينما أخذت اشك في سلوك هذا “الحميد” وفي كلامه لي, بل وفي دمعه أيضا..

 

وفي عصر يوم قائظ من أيام نهاية العام نقل ألي تلاميذ الصف أن خادم المدرسة ضرب حميدا ضربا قاسيا حينما كان يحاول عبور حاجز المدرسة هاربا, وحينما استدعيت الخادم إلى غرفة المدرسين كي أعاتبه وجدتني أواجه رجلا يتمتع بقناعة غريبة بأنه إنما فعل عين الصواب, ضاربا عرض الحائط بكل مفاهيم التربية النموذجية التي حاولت أن أوضحها له..حينذاك لم أجد بدا من أن أواجهه بمنطقه الخاص:

 

-أليس حراما يا أبا سليم أن تضرب يتيما؟

جأر أبا سليم مادا رأسه تجاهي وقد عقد ذراعيه على صدره:

-يتيم؟ إن أباه لوح, أكتافه تملا الدنيا..

-حميد له أب؟

 

سألت متعجبا.. فيما أتاني نفس الجواب مكررا بصلف:

-إن أباه لوح.. تملا أكتافه الدنيا..

 

أحسست بإهانة تصفع صدري..وساءني أن يكون الصغير قد بنى عطفي عليه فوق أكاذيب منحطة.. شعرت بأنني لم اكن سوى مغفل طيب القلب وان كل العلامات التي جعلتها تخطو من فوق ضميري بارتياح تضحك في وجهي الآن بشراسة..

 

وطوال الطريق إلى بيتي كانت كلمات أبى سليم تعرك رأسي ويدوي صداها في حنجرتي..وكنت احدث نفسي زاعما لها أن اؤلئك الملاعين الصغار هم في الحقيقة اكبر بكثير من أعمارهم وان الخطأ كان في أنني عاملتهم على انهم أطفال فحسب, لقد تغاضيت عن كونهم رجالا صغار يستطيعون الوصول إلى ما يريدون بأية طريقة تخطر على بالهم..وان لعبة حميد على أستاذه ليست في نظره سوى لعبة بائع كعك على زبون نصف سكران تنتهي بشراء كعكتين, أو كعكة بسعر كعكتين ..

 

ورغم هذا الكلام, فأنني لم استطع أن أتخلص من شعوري الحاد بأنني أهنت على يد حميد إهانة بالغة, وأخذ تفكيري يسير في الطريق الذي يؤدي إلى إيجاد انتقام ما..أنني اعتقد الآن بان القضية تافهة, وان تفكيري كان اتفه, ولكنني لم اكن أرضى لحظة ذاك بأن أتنازل قيد أنملة واحدة عن حقي في أن امسح الإهانة..

 

ولكن الذي حدث فيما بعد لم يستطع أن يهدهد غضبي, بل على العكس, لقد زاده أواراً على أوار..واستشعرت بعدها ألما ممضياً يعتصر صدري بلا هوادة..فلقد قصّ علي طالب ثرثار كيف ماتت أم حميد قبل شهور طويلة بعد أن وضعت طفلة ميتة..

ووجدتني أغوص في دوامة من الأكاذيب كومها حولي هذا الحميد الصغير ببراعة لا تكاد تصدق…

 

أتت نهاية احتمالي في غداة يوم قائظ, كنت عائدا فيه من المدرسة فرأيته فجأة بعد غياب طويل..

 

أتكون محض مصادفة غريبة أنني التقيت به في نفس المكان الذي شاهدته فيه لأول مرة؟

كان مقرفصا هناك خلف صندوقه الخشبي الملوث بالدهان, يحدق إلى الشارع راغبا في اصطياد حذاء ما…فيما وقفت أنا نصف مصعوق أكاد لا اصدق أنني أرى بائع الكعك المزعوم, وأحسست بالإهانة تجترح حلقي, وحينما استطعت أن أميز ماذا كنت افعل وجدتني ممسكا بياقة الصغير أهزه بلا هوادة..وأفح باتصال:

ـ أيها الكذاب..

رفع الصغير عيونه أمامي مفتوحة حتى أقصاها, ممزوجا لمعانها بمعنى من معاني الخوف المفاجئ, ورأيت شفتيه تتحركان دون أن تستطيعا النطق بينما فشلت محاولته الصغيرة للخلاص من بين قبضتي..

 

وعدت اكرر وقد أحسست بشيء يهوي في صدري أمام الصمت اليائس:

-أيها الكذاب…

-أستاذ..

قالها باسترخاء رافعاً إصبعه بصورة آلية ونظر حواليه باضطراب ثم اعترف راجفاً:

-نعم يا أستاذ أنا كذاب, ولكن اسمع..

-لا أريد أن اسمع شيئاً..

ضاقت عيونه وخيل إلى أن دمعة توشك أن تسقط وعاد صوته يرجف من جديد:

-اسمع يا أستاذ..

-آيها الكذاب…أنت تعيش مع أمك…أفليس كذلك أيها الكذاب ؟

-كلا يا أستاذ..كلا..إن أمي ميتة ولكنني لا أستطيع أن أقول..فحينما ماتت أمي طلب والدي منا أن لا نقول شيئاً عن موتها..أن نصمت..

 

تراخت قبضتي وسألت بضعف:

-لماذا ؟

-لم يكن يملك أجرة الدفن…وكان خائفاً من الحكومة.. أسدلت ذراعي إلى جنبي؛ واستطعت آن التقط خوف الصغير الساذج الذي استمر حتى اليوم دون مبرر ولكنني خفت أن أكون مخدوعاً فعدت أصيح, ولكن بليونة أكثر…

 

-وأبوك؟ قلت لي أنه مات… أليس كذلك ؟

-لم يستطع حميد أن يتماسك أكثر فأدار وجهه إلى الحائط وأخذ يبكي فيما سمعت خلال نشيجه صوته الضعيف:

-إنه لم يمت…. إنه مجنون يدور في الشارع نصف عار..لقد جن بعد أن شاهد رأس أخي يقطعه المصعد…

-جن؟

-نعم… لقد أطل أخي داخل قفص المصعد من أجل أن يستقبل أباه..وشاهد أبي المنظر بأم عينيه؛ فأخذ يعدو في الشارع..

 

قلت, مستشعراً الدوار يتكالب في صدغي:

-لماذا قلت لي أنك تبيع الكعك؟ هل تستحي من صنعتك ؟ لانت نظرات حميد , وحدق إلي بعيون شفافة قائلاً بخجل:

-لا.. لقد كنت أبيع كعكاً, وأول أمس عدت إلى هذه الصنعة..

-ولكنك كنت تكسب كثيراً ؟

-نعم, ولكن..

-وعاد الرأس الصغير ينوس كعادته كلما تعرض لخجل أكبر منه, ودق بالفرشاة على سطح الصندوق دقات منتظمة هامساً دون أن يرفع بصره..

-كنت أجوع آخر الليل…وكنت آكل كعكتين أو ثلاثة.

 

لم أدر كيف أتصرف, هممت أن أطلق ساقي للريح, ولكني وجدتني أضعف من أن أفعل.. وبقي الرأس الصغير بشعره الأسود الخشن منحنياً, ودون أن أحس رفعت قدمي وأركزتها على حدبة الصندوق..

بدأت الكفان الصغيرتان تعملان بحذق فيما أخذ الرأس الخشن يهتز فوق الحذاء, ثم وصلني الصوت إياه قائلاً ببساطة:

 

-أستاذ… أنت لم تغير حذاءك منذ عام… هذا حذاء رخيص.

 

 

 

 


Why taxation is a good idea for Bahrain

Before closing this page let me first explain that the current political system isn’t working with or without taxation, taxation under the current system will only lead to more corruption (e.g. ALBA-ALCOA) and the enrichment of a handful of individuals, but as there is a spectrum of political visions that should put an end to corruption and dictatorship we should also be interested in creating an economic vision that will help us not only in bringing prosperity but prevent the forming of another dictatorship, for that I think taxation is a good idea.

Bahraini author Omar Alshehabi is now preparing his next book about the economics of the rentier state (الدولة الريعية) and how it transformed the society in the gulf region.

 The writer describes a rentier state as a state that generates a substantial amount of its revenue from renting natural resources to foreign entities rather than producing consumable products, such system was adopted by oil rich countries at first but it didn’t stop there, countries that are not rich in resources used political alliances as a source of income.

The nature of pre-oil economies in the gulf relied on trading, monarchs used to take their percentage from the profit merchants made in order to pay for governing duties, that system created a very influential upper class that had a relatively bigger role in decision making.

With the discovery of oil (Bahrain was the first in GCC 1923) and the demise of  pearl trading the monarchs found their new linchpin in oil money, by monopolizing the right to extract oil the merchants class was sidelined and the decision making process became even more exclusive, the general population became majorly employees in “rent maximizing” activities that are ran by the government unopposed thus making the regime the only financially independent entity in Bahrain and removing the role of the elitists families, German sociologist Karl Marx called that state “economic parasitism”.

Hussain Mahdavy an Iranian author tried to inspect the rise of rentier economy and how it shaped the political scene in Iran, he concluded that the rentier economic model encourages the establishment of bureaucracy, since the rent money is paid directly to the government the temptation of creating a rentier class that dominates with its own independent source of income is considerable if not inevitable.

Rentier states won’t rely on taxes as a source of income because if we excluded the resources the government already rent there isn’t much production to tax anyway because industries were marginalized for rent maximizing tasks, the rent revenue compensate for taxes and gives the government the ability to “buy” the consent of the general populace without paying for the unpopular taxes on the long term, for most it will look like the government is giving rather than taking. What we tend to forget is that taxes aren’t a way of financing governments only but also a way of redistribution of wealth, the ability to distribute wealth can easily be translated into political influence and can also shape the society by forming classes, which makes any kind of democratic transition at jeopardy.

Another useful feature of taxes is that it serves as a compass for the society, taxes which benefit the society will be unchallenged while unpopular taxes will be contested by participation every once in a while, the very beginnings of the American revolution was after a campaign that used the slogan “No taxation without participation” a slogan that was used in Ireland and which was later on a part of the English bill of rights (forbid taxes without parliament permission), taxes will ultimately set the course of the economy toward fulfilling the most urgent needs of the society and fully utilize its resources, without it popularity rather than performance is what shapes the political elite.

In the run for presidency in the united state this year republican candidate Mitt Romney refused to disclose more of his tax returns, such PR fail will certainly effect his campaign, now I can only imagine what we would discover if we had taxes in Bahrain, with a very small elite owning big shares of the economy the numbers in taxes of those elite will be astronomical, and I would really love to challenge a lot of our politicians to disclose their tax return (that’s when we have one).

Now what do you think? isn’t that a good idea?


لماذا يكرهونني؟

يقول ادونيس:

  أنت لا تكرهني.. انت تكره الصوره التي تكونها عني.. ولكن هذه الصورة ليست أنا.. هي أنت؟!

تعرض العديد من البحرينيين في العام الماضي إلى أنواع متعددة من الإنتهاكات، من التعذيب إلى الفصل والإهانة، جميعنا نعلم لما حدث كل ذلك، كان هنالك من يطالبون بنزع السلطة من القبيلة ونقلها إلى العامة وكان رد القبيلة عليهم أن تعلن الحرب وتبطش بهم.

المفاجأة التي صدمت الكثيرين هي أن هناك من يصفق للسلطة وهي تبطش بالمدنيين، ومقدار المتعة التي تعتري من يقوم بتلك الإنتهاكات، وكم يعتبر أن ما يقوم به أمر طبيعي للغاية، يتسأل البعض أحياناً لماذا يكرهوننا بتلك الشدة؟

الأمر يتعدى شرحه تدوينة وهو يتعدى مسألة سياسية ليتطرق إلى النزعات الإنسانية، لكنني هنا سأطرح بعض النقاط التي قد تساعدك على فهم الأمر، بالطبع الكثيرين سيكون جوابهم الأول هو المصالح أو الطائفية، لكن حتى الطائفي والساعي إلى المصالح يحتاج إلى غطاء أخلاقي يبرر له ما يقوم به.

نظرية المؤامرة

طبيعة الإنسان هي أن يحاول إعادة وضعه إلى إتزانه الأساسي، الجسم يحاول إصلاح الضرر الذي يصيبه سواء من جروح أو غيرها، ومن العقل أيضاً بطبيعته يحاول إعادة التوازن إذا صادف حدث كبير يخل بإتزانه، الإظطرابات أو حتى الأمراض النفسية هي أحياناً محاولات فاشلة للشفاء.

البرانويا أو جنون الإرتياب، أحد أكثر الإظطرابات الشخصية شيوعاً، يواجه الشخص موقف شديد التعقيد يفوق قدرته على التحليل، كون الثقافة السياسية ليست جزء من المناهج التعليمي وكون الساسة مستهدفين على الدوام في البحرين فإن من الطبيعي ألا يكون الجميع على قدر عالي من الثقافة السياسية، يقود ذلك من يعجز عن تفسير الموقف إلى صنع “مجتمع زائف” (pseudo community) يتحكمون هم فيه ويستطيعون فيه تفسير كل الأمور بطريقة تبدو لهم منطقية ليستطيعوا تحليل الأمور والحصول على السكينة والإنضمام إلى المجتمع دون الشعور بالنقص، التحليل المبسط والسطحي يعطي صاحبه القدرة على التأقلم لحد معين ويعطيه أيضاً شعوراً بالأهمية، الأمر الذي يجعل هذا الخيال ذا جاذبية وسهل الحدوث.

حين يتعرض الشخص إلى حدث يعجز عن تفسيره وبوجود بذور الإرتياب لدى هذا الشخص أو المجتمع فإنه سيمر بأزمة توليد المعنى ولكي يحاول علاجها أو التلائم معها سيحاول تفسيرها بطرق عدة يمكن للتبسيط أن نرجعها إلى نوعين، نقطة السيطرة الداخلية أو نقطة السيطرة الخارجية، نقطة السيطرة الداخلية هي أن تحلل الأزمة بالتركيز على المسببات الشخصية كأن ترجع أدائك السيء في الإمتحان إلى تقصيرك في المراجعة أو عدم إنتباهك، نقطة السيطرة الخارجية، كأن تلوم وقت الإمتحان أو حتى أن تظن أن المدرس يحيك مؤامرة ضدك.

المشكلة في نظرية المؤامرة هي أنك تجري في الحلقة المفرغة ذاتها، فقد يكون ما يجري مؤامرة وعليه فإن هذا النص الذي أكتبه أيضاً مؤامرة لإيهامك أنه لا توجد مؤامرة، وعليه فإن المزيد من الجدل سيطرح لكل خطوة جديدة لمحاولة نسبها إلى الفكرة الأساسية، ولأن المجتمع الزائف الذي يحتوي تلك المؤامرة هو من صنع العقل فإنه من السهل أن تربط كل الأمور ببعضها لتعزز النظرية الأولى، بل حتى أن الحقيقة ستبدوا غير منطقية مهما كانت واضحة.

الإسقاط النفسي

نظرية فرويد أن لدى الإنسان وسيلة دفاع تتجسد في إسقاط أو نسب عيوب، رغبات أو أفكار شخصية غير سوية على الأخرين، على سبيل المثال لو خطر على أحد الأزواج فكرة الخيانة فبدل أن يعالج تلك المشكلة فإنه يسقط هذه الفكرة في اللاوعي على الزوج أو الشريك الأخر، هذه الطريقة تعطي الشخص الغطاء الأخلاقي الذي يحتاجه لكي يتعايش مع فكرة قيامه بأمور تعتبر شنيعة عادةً، هي محاولة للشفاء لأنه يحاول تجاوز الفكرة إلا أنه في خضم ذلك يفقد بعضاً من شخصيته وبالأخص الأمر الذي يجعله قادر على إتخاذ القرارات المختلفة وبذلك يتغير الشخص جذرياً.

يمكن ملاحظة هذا بوضوح في الحالة التي نعيشها، فهناك من يتهمك بالعمالة لدولة أجنبية بينما هو يحمل علم دولة أخرى وينادي بتسليم إستقلاليتك إليها، هناك من يتهم الأخرين بالطائفية ولكنه هو الذي يريد حرمان طائفة من حقوقها وإلى ما يشابهها من أمور كبيرة وصغيرة.

تفاهة الشر

أحد الكتاب الباحثين في الهولوكوست كتب سابقاً عن كون أشخاص شاركوا في الهولوكوست لم يكونوا أناس عنصريين أو متطرفين، بل كانوا أناس عاديين قاموا بما قاموا به لأنهم كانوا يعتقدون أنه طبيعي طبقاً إلى توجه الدولة أنذاك.

حاول العديد تفسير وإثبات تلك الحالة، وتذكر منها تجربة قام بها برفسور طلب فيها من الطلاب أن يطرحوا على طلاب مربوطين بأسلاك كهرباء أسئلة ويصعقوهم عند كل إجابة خاطئة، بل وأن يرفعوا شدة التيار، بالطبع لم تكن الأسلاك فعلاً موصولة لكن ما تبين من التجربة أن الأغلبية إتبعت التعليمات رغم صراخ الطلاب، ووصل البعض إلى درجة كانت ستقتل الطلاب لو كانوا فعلاً موصولين بالتيار الكهربي.

Milgram experiment http://en.wikipedia.org/wiki/Milgram_experiment

لا تتساهل أبداً بقوة الرمز، كان الناس يعبدون الأصنام ويقتلون من يحاول تحديها، اللباس الرسمي رمز كذلك وبإمكانه أن يجعل الشر تافهاً للدرجة التي لا يحتاج ليبرره سوى “لجنة”

للحديث بقية …


تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 6,205 other followers