اصمتوا أو أرحلوا

الصورة التي أستخدمها في تويتر هي صورة لي رافعاً العلم السوري (تحتوي التدوينة على صورة مخيفة)

الصورة أغضبت الكثير من الأصدقاء (خصوصاً القوميين العربيين و البعثيين) الذين لا زالوا يعيشون على نظريات المؤامرة التي لم تعجبني سابقاً، لا أفهم لماذا يجب أن أتوقف عن العمل لمجرد وجود “مؤامرة”، ولماذا لم يكن العرب متأمرين مطلقاً؟ وهل سأمضي حياتي في هدم مخطط المؤامرة أم بناء خطط التنمية؟

ومن ناحية أخرى هناك وهم الطائفية، وثورة سوريا كانت ثورة “على مقاسهم”، فهم كانوا ضد الثورة في مصر وضد الثورة في البحرين وضد كل الثورات حتى جائت ثورة سوريا، فهم هنا وجدوا فرصة لمساندة ثورة، عل هذه الثورة بنجاحها تكون سيفاً جديداً في حربهم المقدسة التي أعلنوها ضد كل ما لا يلائم أجندتهم العنصرية.

سيهاجمونني لأنني أصارح بعنصريتهم، سأعطيكم أمثلة:

نتيجة البحث العشوائي عن كلمة “فارسي” بإمكانكم تجربتها في أي يوم وإبداء رأيكم: https://twitter.com/#!/search/realtime/%D9%81%D8%A7%D8%B1%D8%B3%D9%8A

نتيجة البحث العشوائي عن كلمة “كردي”:

https://twitter.com/#!/search/realtime/%D9%83%D8%B1%D8%AF%D9%8A

نتيجة البحث العشوائي عن كلمة “يهودي”:

https://twitter.com/#!/search/realtime/%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF%D9%8A

نتيجة البحث العشوائي عن كلمة “هتلر”:

https://twitter.com/#!/search/realtime/%D9%87%D8%AA%D9%84%D8%B1

من نتائج البحث ستجدون الكثير من الأمور المقززة رغم كونها كلمات أقل وطئة من صفوي، رافضي، ناصبي أو مجوسي التي تستعمل وبكثرة في وصف الأقليات الدينية، فكلمات كردي، يهودي، فارسي هي كلمات تشير إلى عرق أكثر من ديانة ولهذا يجب أن نكون واقعيين ونعترف بوجود عنصرية لدى الخليجيين ليس فقط تجاه هؤلاء بل حتى تجاه العرب غير الخليجيين.

أولئك ليسوا أنصار ثورة سوريا، وليسوا طلاب ديمقراطية، أولئك مجرد جنود للكره، يحركهم الكره ويتغذى عليهم حتى يجد منزلاً جديداً فهم ينقلونه كما تنتقل الحمى بالعدوى، هم ليسوا حتى موالين لحكوماتهم، هم فقط معارضون للبقية كارهون من التغيير، لا يستطيعون أن يعترفوا أنهم موالين حتى فيسمون أنفسهم “معارضة إيجابية” لأنهم بالفعل لا ولاء لهم لأنهم لا قدرة لهم على الحب.

كفانا كلاماً عنهم، أغلب أصدقائي يخافون التغيير في سوريا خوفاً من أن تصبح أرضاً خصبة لزارعي الكره يجعلون منها مزرعةً جديدة تخرج فكراً إرهابياً بسبب هؤلاء، ويسألونني لما أقف مع قضية يستميت كهؤلاء للدفاع عنها.

الأسباب عديدة، منها:

1- إيماني بأن الديمقراطية من حق جميع الشعوب.

2- الحجة واهية لعدم دعمها لأن العنصريين ساندوها، كمثال هم كذلك يساندون فرق رياضية هل علي أن أعادي الرياضة؟

3- هم ضد الفكر الثوري أساساً فأي نصر لثورة سيعطي باقي الثورات الوقود اللازم لإستمرارها (الأمل)

4- السبب الأهم: 15 مارس

15 مارس

في ذاك اليوم إستيقظت مبكراً رغم أنني لم أنم إلا في ساعات الفجر الأولى، كنت سهرت ليلتها لكي أتابع تطورات الأوضاع بعد أن وصلت تصريحات لولي العهد تفيد بتلبية مطالب المتظاهرين، نمت سعيداً، كنت أظن أننا في الطريق إلى البحرين التي كنت أحلم بها، لكن ليالي البحرينيين قصيرة لاتتسع لأحلامهم.

أيقظني إتصال من صديق، أخبرني عن رسائل تتناقل عن إحتمالية هجوم البلطجية الموالين للنظام على منطقة سترة، في تلك الفترة كانت الهجمات أمر متكرر الحدوث، شهدناها في مناطق مثل سار وأستخدمت فيها أسلحة مشابهة لأسلحة الشرطة (شوزن)، فقررت أن أكون حاضراً هناك لكي أستطيع أن أنقل الأحداث فيما بعد عن دراية.

وصلت إلى سترة، تربطني بتلك الشوارع ذكريات كثيرة، أذكر أين سقطت من على الدراجة، أذكر أين لعبت الكرة مع صديقي، أرى بيوتها القديمة التي يفوقني بعضها عمراً فلا يمكنني إلا أن أتسائل عن ما عاشته، عن الذكريات التي تحتويها جدرانها، وعلمت بعدها أنه في سترة كما للجدران ذاكرة فإن للموت ذاكرة.

وصلت إلى تجمع، كان رجولياً بوضوح، كانوا مجموعةً من الرجال والشباب، وصلتهم نفس الإشاعات التي وصلتني، خرجوا لتأمين منطقتهم بعد أن شاهدوا تقاعس السلطة في كبح جماح مواليهم، ففي بلاد إستبدادستان تكون قوات الأمن سيف السلطان، شاهدنا كيف شهدت حتى الدكاكين هجمات، فمن المقاهي إلى دور النشر لم يسلم شيء من التخريب.

رأيت في وسط الوجوه الغاضبة وجهاً مألوفاً، كان الناشط الحقوقي محمد المسقطي، كنت قرأت رسائل أخته التي كانت في دار الوسط تطلب المساعدة بعد أن هجم الموالون على دار النشر وخربوها، ذهبت لأراه وكان معه صحفيان أجنبيان، من ضمن الحوار الذي دار بيني وبين أحد الصحفيين هو سؤاله لي ماهو الفرق بين الشيعي والسني، كل الإجابات تبدو لي اليوم مضحكة أو غبية.

بعد الشرح المطول للأزمة الدستورية في البحرين الذي أعطيته للصحفي أخبرته أنني سأنضم للحشود في الأسفل وأقترحت عليه أن يذهب لمقابلة أحد الشخصيات المعتدلة لكي يعطيه تفاصيل ماحدث منذ فبراير، بعد رحيله بدقائق أنضممت إلى المتظاهرين، كان التوتر في الأجواء حاداً كنت تستطيع أن ترى كيف كانت أعين الحاضرين تتحرك بسرعة تنظر كل حين في إتجاه، كان الجميع على أهبة الإستعداد وحتى النساء التي وقفن على مقربة خائفين على أقاربهن كنت تراهم يمشون ذهاباً وأياباً، رأيت مجموعة من الشباب ذاهبين في أتجاه مدخلٍ أخر ورافقتهم.

ما أن وصلنا رأينا قوات الشرطة راجلة وهي مسلحة وسحب مسيلات الدموع واضحة في عدة مناطق ليست ببعيدة، بدأت في تلك اللحظة المرحلة الأحلك والأقبح في تاريخ البحرين.

هو ذاك اليوم، ذاك اليوم الذي لن أنساه، أحتجت لكي أكتب هذه السطور أكثر من يوم، لأني كنت كلما أحاول الغوص أكثر في ذكريات ذاك اليوم أجد نفسي أفقد الرغبة في الكتابة ويتملكني الغضب، في ذاك اليوم عرفت معنى أن تعصف رياح الموت بمدينة، تحمل رياح الموت وهي راحلة كل ما يمثلك، تحمل أسمك، ذكرياتك وتقطع كل العلاقات التي تربطك بالأخرين حتى لايبقى منك سوى رقم، عرفت كم كنا عديمي إحساس كلما كنا نشاهد الأخبار لنسمع أرقاماً، كما نسمع اليوم، عشرة قتلة في حمص، أربعون، ثمانون، هي أرقام فقط، لكن فكر في ما تعنيه، فكر في أم كل واحد منهم كيف تشعر، كم كان له من الأخوان؟ كم صديقاً سيذكره، هل ترك خلفه طاولة دراسة أو طاولة عمل خالية…

في تلك الليلة حاولت أن أذهب إلى بيت صديق بعد أن فقدت الإتصال به، رافقني أحد أهل المنطقة التي إختبأت في أحد بيوتها هارباً من مرتزقة النظام الذين إنتشروا كالزيت الأسود في الماء وغطوا المدينة باحثين عن أي شخصٍ كي يفرغوا حقدهم الأسود تجاهه، خرجنا مشياً لأننا نعرف أننا بالسيارة لن نستطيع الهرب فخيارنا الأفضل هو الأزقة الضيقة التي نعرفها أكثر من المرتزقة، عندما إقتربنا من الوصول لوجهتنا تفاجأنا بسيارة للشرطة، حاولنا الهرب، ركضنا في الأزقة إلى أن وصلنا إلى بيتٍ لازال في طور البناء، دخلته وركضت إلى أعلى السطح، نظرت خلفي لم أرى من كان معي، نظرت من فوق السطح لأراه ساقطاً على الأرض وأرى الشرطة تركض في أتجاهه، إختبأت خلف الجدار لكي لا تلحظني قوات المرتزقة وكنت أسمع صوته وهو يصرخ من الألم، رفعت هاتفي النقال وأتصلت بصديقي وبدأت بالبكاء.

نعم بدأت بالبكاء، كنت أبكي لأن كل الكلمات التي تعلمتها طيلة حياتي لم تكن مناسبة، كانت كل كلمة سأنطقها خيانة للغة، كنت أبكي علني أجد بدموعي ما أغسل به القذارة التي كنت أحسها تحيط بي وتحبس أنفاسي، كنت أبكي لعلي لو بكيت ما يكفي من الدموع سيجف جسمي ويصبح قلبي صلباً ليتوقف عن الخفقان ويتوقف إحساسي نهائياً لكي لا أحس بالضعف، بقلة الحيلة وبالخذلان.

في تلك اللحظة عرفت أن للأنسان كل القيمة ولا قيمة، في تلك اللحظة لم أكن أريد أي شيء في الدنيا أكثر من أن تكون لدي طريقة لأحمي ذاك الشاب، وكنت أعرف أيضاً أن حياتي بالنسبة لهم لو حاولت أن أساعده لن تساوي شيء، كنا سنكون مجرد أرقام تضاف في نشرة يسمعها المشاهدون في بيوتهم وهم يتناقشون حول نظريات المؤامرة.

أجزم أن كل من عرف ذاك الشعور لن يقف يوماً مع الظالم، لن يقف سوى مع من تكون حياته في خطر، من يقول أن القتل في أي دولة ليس مسئولية رأس الحكومة يخدع نفسه، أمر إطلاق النار لا يجب أن يكون في يد كل شخص، هناك هيكل سلطة واضح للأوامر، ولو كان غير مشجع للقتل لأمر بوقف إستخدام السلاح من اليوم التالي، ستحاول كل السلطات في العالم أن تشتت الإنتباه عن المطالب بالتركيز على أكاذيب، سيقال مسلحون ومخربون، الرد الأفضل هو أن الفكرة لا تقتل والمطالب لا تخرب، أنا أقف مع الديمقراطية، هل الديمقراطية سلاح يقتل العساكر؟

ولمن لم يكونوا في ذاك الموقف من قبل، ولا يعرفون قيمة الإنسان، ولا زالوا يصدقون نظريات المؤامرة، ويساندون القضايا تبعاً لإنتمائات أخرى غير الإنتماء للإنسانية، أقول لهم اصمتوا أو أرحلوا.


One Comment on “اصمتوا أو أرحلوا”

  1. ام حسين قال:

    لا فض فوك و الله كفيت و وفيت تعبنه منهم و من معاييرهم المزدوجة عيل اللي مظلوم في ديرته يقول سوريا ما فيها ثورة و لازم ندافع عن النظام السوري !! صج شي يقهر 


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s