أدب السجون

أدب السجون هو مصطلح معاصر يصف الأعمال الأدبية التي تنتج من داخل السجون أو تنتج حول ما يجري داخل السجون.

كمثل على ذلك النوع من الأعمال الأدبية تطرح دائماً أعمال المصري أحمد فؤاد نجم (الفاجومي) أو رسائل وكتب سيد قطب العلمية.

لكنني أظن أننا سنبخس الطغاة السابقين حقهم لو إستثنيناهم من قائمة المعذبين الذين يدفعون الناس إلى الإبداع عبر بوابات السجون والألم، فلنا في ذاك تاريخٌ مجيد يجب أن نتذكره، فمثلاً أنا أعتقد أن آل آمية و بني العباس كانوا من السباقين في ذاك المجال ويمكننا أن نصنف أعمال الإمام أحمد إبن حنبل الشعرية من داخل سجون المأمون كأحد أعمال أدب السجون التي سبقت التاريخ الحديث والمعاصر، ويمكن أيضاً أن نضم أعمال أبو فراس الحمداني إلى تلك الفئة، وهناك أعمال أكثر حداثة يمكن أن نضمها كذلك مثل كتاب “نساء المنكر” لسمر المقرن-رغم كل ما يتخللها من قصص مضافة تحيد بها عن الواقعية- بل أن رسائل إبراهيم شريف ومحمد جواد برويز قد تندرج في تلك الخانة.

أدب السجون كان يشد الكثيرين بسبب غموض ما يجري داخل السجون وبسبب ما تحمله الأعمال من مشاعر إنسانية، ولطالما كان الألم مصدراً للإبداع، فأبلغ من يتكلم عن الحرية هو من يفقدها، وأبلغ من يتكلم عن الإنسانية هو من يعاني من غيابها.

في هذه السنة كسر هذا الغموض في سجون البحرين وأصبح معروفاً لدى الجميع، فقد وقف في ذاك اليوم رئيس لجنة البحرين لتقصي الحقائق وقام على الهواء بتعديد وسائل التعذيب في السجون من حرق وصعق كهربائي وضرب بالأسلاك والسياط والأنابيب والتحرش الجنسي وغيره أمام العالم، وأصدر بعدها تقريراً من أكثر من 500 صفحة تسرد في إجزاء منها طرق التعذيب الممنهج والإنحطاط الأخلاقي وغياب المحاسبة في سجون البحرين.

تقرير بسيوني هو توثيق لأحداث حصلت داخل السجون، لكنني أجزم أن أي شخصٍ قرأ التقرير سيتفق معي أنه بدلاً من أن نصنفه كأدب السجون يجب أن نصنع تصنيفاً جديداً ونسميه “قلة أدب السجون”.

أدب المظاهرات

في أثناء خروجي مع أصدقائي في المظاهرات مرت علي كثير من الأقوال التي تنتمي إلى الأعمال الأدبية، بسبب تدهور الحالة الأدبية وحرية التعبير لا يوجد لدينا للأسف من الأدباء من يرغب في التفكير حتى في كتابة كتاب مثل ذلك ناهيك عن نشره، أشارككم بعضاً منها.

حاولت مع صديقي الرجوع إلى المنزل لكني وجدت جميع المداخل إلى المنطقة مغلقة، أتصلت بقريبٍ لي وأخبرته أنني سأبقى معه لبعض الوقت فرحب بنا، دخلنا إلى البيت وبعد السلام والإطمئنان علينا تركنا قريبي وذهب ليأتي لنا بالضيافة المعتادة عند أهل البحرين، سألني صديقي عن مكان الحمام كي يتوضئ للصلاة فدللته عليه، جاء وفرش السجادة ليصلي، نظر إلي وتنهد وقال “لا أدري في كمِ بيتٍ صليت المغرب هذا الشهر، قد يكون بيتي هو أقل مكانٍ صليت فيه”.

في سترة وبينما كان صديقي يدخن بالقرب من سيارته التي أوقفها في ساحةٍ خالية سمعنا صوتً مألوفاً “تن تن تي تن” فعلمنا أنها مجموعةٌ من المتظاهرين دون شك، ذهبنا لنلقي نظرةً عليهم وإذ بنا نتجاذب أطراف الحديث، فجأة سمعنا صوت الطلقات قادماً من بعيد فهربنا من هناك متجهين إلى أقرب بيت، جلسنا وجيء لنا بالماء لنستريح، رأيت أحد المتظاهرين واقفاً بالخارج وملامح القلق باديةٌ على وجهه، ذهبت إليه وقلت له إدخل قد ينظر أحدهم من فوق السور ويراك، قال لي إسئلهم من أين الطريق للجدار الأخر، سئلته ولما الجدار؟ قال سأهرب منه، قلت له ألا تخاف أن تقع وتكسر لك يد أو رجل؟ قال بلى لكني قد دخلت السجن سابقاً وأرى أن إمكانية موتي وأنا أقفز سوراً أقل وأرحم من الموت تحت التعذيب، قلت له وإن كنت تخاف السجن لما تخرج في المظاهرات؟ قال لي أنا أخاف الموت، لكني أخاف عيش الذل أكثر منه.

في كرانة التي كانت محاصرة منذ ساعات الليل الأولى دخلت وصديقي من طريق لم أرى فيه أحداً سوانا، وصلنا إلى مجموعة من المتظاهرين وكانوا يغطون أفواههم وأنوفهم، نظروا إلي وعرفني أحدهم أتى وقال لي أنهم يرموننا بالغازات والمطاط والقنابل الصوتية منذ ثلاث ساعات، كنت سأدعوك للدخول للمنزل لكن سقطت فيه من المسيلات أكثر من الشارع، سألته وماذا فعلت بجدتك؟ أهي بخير؟ قال لي نعم هي هناك تقوم برش الحليب على وجوه الشباب مثل كل ليلة.🙂

في سترة هرَبتُ ومن كان بالقرب مني إلى بيتٍ أجزم أنه لو قام أحد الشرطة بالإطلاق عليه لتهدمت جدرانه القديمة!، قال لنا أحد أصحاب البيت إلتزموا الهدوء، هناك الكثير من القوات بالخارج، أخرج من كان بالقرب مني هاتفه وأعطاني رقماً لأسجله، ثم أراني بعض الصور لإبنته ذات الثلاثة أشهر كما قال، وقال لي هذا رقم هاتف منزلي إذا إفترقنا إتصل به غداً إذا لم أجبك فأخبرهم أنني أعتقلت. كانت الطفلة ترتدي وشاحاً كتب عليه “أنا مستعد للموت للبحرين”.


One Comment on “أدب السجون”

  1. “إن كنت تخاف السجن لما تخرج في المظاهرات؟ قال لي أنا أخاف الموت، لكني أخاف عيش الذل أكثر منه.”

    هؤلاء الصغار ذاقوا الفقر والضرب والحرمان والبطالة، لكنهم يخافون الذل أكثر!
    الذل هذا لم ولن يشعر به الا من تحرر من أغلال العبودية.

    كثر من هالأشيائات يا السمجّة.

    صمود.


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s