عفواً…أرض الحياد ملعونة (2-12)

في الأساطير الأغريقية كانت الأميرة كاساندرا من طروادة تقضي كل ليلة في معبد أبولو حين لمحها أبولو أغرم بها وقرر أن يمنحها موهبة لا تقدر بثمن، قرر أن يهديها القدرة على تنبأ المستقبل، عندما رفضت كاساندرا أن تصبح من جواريه قرر أن يلعنها، بدل أن يسلبها القدرة قرر أن يجعلها لعنتها لكي تتذكر دوماً ما قدمه وكيف رفضته، قرر أن يلعنها بأن يجعل الجميع لا يصدق أياً مما تتنبأ به، دفع ذلك بكاساندرا للجنون، كانت ترى دمار طروادة ولكن لم تستطع منعه.

رغم كون القصة مجرد أسطورة إلا أنها تمثل أحد محن البشرية وقضية أزلية، المعرفة وعبئها، الضعف وقلة الحيلة.

التاريخ: 14 فبراير 2002

أستيقظ في سرير المستشفى وأنظر حولي، أحاول التخلص من أثر المخدر، على الطاولة أمامي جريدة عنوانها “ميثاق تكمل عامها الأول” وصورة طفلة يعانقها والدها.

لم يتغير منذ عام الكثير فعلياً سوى أن الإحتجاجات توقفت، لكن الأمل كان التغيير الأكبر، كان الجميع يتأمل خيراً ما عدا عدد قليل لم يكن يثق أن القصة وصلت نهايتها، لم أكن أتوقع نهاية القصة، لأن القصص حين تنتهي تبدأ قصص جديدة، في خلال شهور قليلة تبين جلياً أن القصة القديمة لم تزل مستمرة.

في منتصف أبريل من تلك السنة كانت الإنتفاضة الفلسطينية في أوجها، وكان شعب أوال من المتعاطفين معها، كيف لا وهم يعرفون جيداً معنى العيش تحت ظل الخوف، هم يعرفون معنى أن تكون في أرضك غريباً وأن تحيا متهماً منذ ولادتك، خرجوا وجلس في البيت من يراهن على عروبتهم، خرجوا وجلس في عاره من يتهمهم بالطائفية، خرجوا بالألاف ورجعوا لمنازلهم ينقصهم واحد، كانت خظيئته التي لا تغتفر أنه قام بما لم تستطع السلطة القيام به، أزال العلم الأمريكي ليزرع مكانه علم فلسطين، وكان عقابه على ذلك الموت في الشارع ذاته.

علمت حينها أن ما رأيناه هو نهاية فصل ولا تزال القصة مستمرة، فلازالت الحياة رخيصة لدى السلطة، فعلمٌ أثمن من روحِ شاب، ورأينا كيف أن طريقاً كان أهم من أرواح العديد، وكيف أن أوامر القتل سهلة وقد تأتي بعد ساعات فقط من خطاب الإعتذار.

كانت سنة الإنقلاب، الإنقلاب على المواثيق ولكن الأهم منه الإنقلاب على الأمل، أتحمل بعض اللوم في خيبة أملي لأني كنت على علمٍ بما يكفي لكي أعلم أن التاريخ سيتكرر، فالإنقلاب على دستور 73 لم يكن سوى حادثةٍ تلتها حوادث تجعلك على ثقة أن التراجع في الوعود أصبح عادياً جداً.

بداية حراك التسعينات كان بإنشاء العرائض، في 1992 كانت العريضة النخبوية التي وقعت عليها الشخصيات الكبيرة في البحرين مطالبة بالعودة إلى دستور 73 وتفعيل العمل السياسي، وفي 1994 كانت العريضة الشعبية التي تصدرها الشيخ الجمري كونه الشخصية الدينية الأبرز وأحد أعضاء المجلس الوطني قبل حله وكان له دور كبير في تأسيس حركات المعارضة خارج البحرين، أعتقل الجمري في 1994 مع مجموعة من القادة مثل الأستاذين حسن مشيمع وعبد الوهاب حسين، خرجت مظاهرات في مناطق مختلفة، فقرر المسئول الأمني إيان هندرسون الدخول في مفاوضات مع القادة في السجن وخرجوا بمبادرة للحوار، وأفرج عن الأستاذ حسن مشيمع وأرسل إلى لندن لإقناع المعارضة بالخارج بالقبول بالمبادرة -مفارقة مضحكة- رجع الأستاذ حسن إلى البحرين بعد أن وصل إلى إتفاق مع المعارضة في الخارج وبدا كأن الأزمة في طريقها إلى الحل في 1995، لكن حين أتى موعد التنفيذ تراجعت السلطة وأخلت بالإتفاق.

وحتى بعد الإنقلاب على الميثاق، إلتقى الأستاذ حسن مشيمع مع الملك في بريطانيا في 2006 ووعده أنه في حال عودته إلى البحرين سيتم فتح باب الحوار لكي تتم العودة إلى الميثاق والعمل على إنشاء دستور جديد عقدي بدل دستور المنحة ليعود ويعتقل عند وصوله.

ويأتي بعدها ما سمي بحوار ولي العهد ليتابع التقليد القديم بتقديم الوعود ثم الإنقلاب عليها.

كلنا نعرف اليوم أن الشعب قد تعب من الكذب والغدر، وأن الشعب لم تعد تنطلي عليه الوعود ولا التصريحات والخطب، نحن نعلم أن الوضع يشير إلى المزيد من الغضب وردات الفعل، لكن رغم معرفتنا إلا أننا لا نملك القدرة على تغيير المسار، هي لعنة كاساندرا، لكنني أرفض أن أصل إلى الجنون، لن أبقى على أرض الحياد الملعونة.

أتوقف هنا لهذا الأسبوع ولنا عودة…



أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s