عفواً…أرض الحياد ملعونة (5-12)

من الأساطير الأغريقية أيضاً تظهر قصة  بروكرستس، هو إبن بوسيدن إله البحار، كان بروكرستس حامي الطريق المقدسة التي تقود إلى أثينا، كان لديه سرير من حديد يدعو المسافرين للمبيت عليه، من كان السرير أطول منه كان بروكرستس يشد أطرافه إلى أن تتقطع أوصاله كي يصبح بحجم السرير، ومن كان أطول من السرير كان بروكرستس يبتر أطرافه كي يصبح بحجم السرير.

هل أرعبتك سادية بروكرستس؟ أعد قراءة ما كتب، أيذكرك بشخص ما؟ أتحتاج لمرآة؟ لا حاجة لأن تقطع الأوصال لكي تكون بروكرستس، يكفي أن تقطع الصلات.

من الخطابات المملة المتكررة خطاب “لن أقف مع هذا الحراك لأنه سيقود الإسلاميين إلى مكاسب”، أكنت ستقف معه لو كان الهدف منه إقامة نظام إقتصادي إشتراكي كاره للمُلكية الفردية المطلقة؟ أكنت ستقف معه لو كان الهدف منه إنشاء دولة قومية تشدد على التمسك بالقومية العربية ومحاربة العولمة بما تحمله من “البنك بيري” والمجمعات الرخامية الباردة العارمة بأثار الغزو الثقافي؟

الواقع أنك مازلت تقيس الناس على سرير بروكرستس، تريد أن تقطع وتمدد العالم كله كي يصبح بمقاييس رسمتها أنت وتريد أنت أن تفرضها على العالم، ليس الإسلاميون ولا البعثيون ولا الشيوعيون هم الديكتاتوريون، إنه أنت فقط.

وبينما أنت تبحث عن أسباب تبرر عدم إشتراكك في الحراك الثوري المطالب بالكرامة يتساقط على طرفي الشارع مئات الجرحى وعشرات القتلى، يعبد الشارع على عظام الشهداء، تنبت على جانبيه الورود التي كانوا يحملونها قبل موتهم، ترويها دموع الثكالى فملح الأرض ومائها من تلك الدموع، يصطبغ الأفق بلون الدم وتبقى حركة المرور عليه …طبيعية.

وقفت قرب أستاذين أحترمهما، لهم في النضال ما يفوق عمري، سأل الأستاذ: يا دكتور مارأيك في تصرفات أصدقاء الأمس؟

رد عليه: قضينا سنين من النضال، تحملنا الإهانات والضرب وكل صنوف العقاب لكي نصل لهذه اللحظة فخذلونا.

كانت النظرة التي إرتسمت على وجهه وهو يقول تلك الكلمات مرهقةً أكثر من شهور من العمل.

لمن لازال يمني النفس بحلٍ من السلطة، سر بروكرستس هو أنه كان لديه سريران، لذلك لم ينجح أحد في تجاوزه، إرجعوا لتاريخ البحرين لتجدوا أن كل الذين ثاروا لم يستطيعوا أن يكونوا بحجم القالب الذي تريده السلطة.

Advertisements

عفواً…أرض الحياد ملعونة (4-12)

دانتي أليجري كاتب إيطالي، قد يكون كتابه الأشهر “الكوميديا المقدسة”، يروي دانتي في كتابه رحلة خيالية يخوضها في الجحيم، يتحدث دانتي عن 7 حلقات للجحيم يبدأها باليمبوس Limbo في قصيدته يتحدث عن أنه يلاقي هناك الكثير من الشخصيات العظيمة، يرى الفاتحين والشعراء والفلاسفة والمفكرين، ويحكي أنه بينما يمشي بينهم كان يرتجف بسبب تيار الهواء الجارف الناتج من تنهداتهم، لم تكن صرخات معذبين لكنها كانت قوية وتترك في النفس الأثر، لم يكونوا تحت أي ألم فعلي، إستغرب دانتي من رؤية أمثال أولئك العظام في الجحيم، سأل من يقوده عبر الجحيم:”سيدي ما ذنب هؤلاء؟” فكان الرد:”لم يخطئوا، وإن أحسنوا إلا أنهم لم يُعمدوا لذلك لم يُضَموا للصالحين، أو أنهم ماتوا قبل المسيح وعبدوا الأوثان دون أن يؤذوا أحداً، وبسبب عيوبنا لا أخطائنا كان عقابنا أن نبقى هنا لنعيش دون أمل”

هوميروس أيضاً تكلم عن مكانٍ مشابه، سماه مروج البروق، أسماها أرض الحياد التام، نسخة مشوهة من الدنيا دون عذاب الجحيم، حطيم لا يزرع فيه غير زهور البروق (طعام الموتى في الأساطير الإغريقية) يسكنها من لا يصنف كصالح أو كخطاء.

لماذا سيكرس الكُتاب الوقت لتخيل المكان الذي سيعيش فيه أهل الحياد؟ من هو المحايد؟ كيف يُصنف المفكر والعالم كأحد سكان الجحيم؟

دوماً كل من يقع في مشكلة يبحث عن أساس المشكلة كي يستطيع معالجتها، ما سيقتلني لن يكون الطلقة التي تصيبني، لن تكون السياط التي تدمي ظهري، الرصاص دون من يكون لديه الإستعداد لإستخدامه يفقد قوته، والسؤال هو ماذا قد يجعل الإنسان قادراً على القتل؟

القاتل هو من تكون حياة الإنسان لديه دون قيمة، يشترك في ذلك الكثيرون، فبينهم من أعطى الأمر مباشرة، ومن أوحى لمن أعطى الأمر بأن ما يفعله هو الصواب، وأيضاً من وقف على الحياد.

موت شخص ليس أمراً طبيعياً، أن تتغاضى عن موت شخص معناه أنك تعتبر أن الأمر لا يستحق الإنتباه، أن حياته لا قيمة لها.

لن يصرح بهذا الأمر أي عاقل بالتأكيد، سنحاول أن ننأى بأنفسنا عن التفكير في ذلك حتى، بالطبع لسنا منهم، سندافع عن أنفسنا، سنبين أرائنا بحزمٍ ووضوح ونستنكر ونشجب وندين و…… وثم نعود إلى حياتنا اليومية، نشتري الخبز، نملأ سياراتنا بالوقود، ونذهب للعمل.

لن تنقذ المؤتمرات الوطن، لن تنقذ المقالات المبهمة حياة أي إنسان، كي يعي القاتل قيمة الحياة، يجب أن يرى ما ينتج عن كل روح يحصدها، يجب أن لا تكون إدانةٌ خجول غير مباشرة أكثر ما بيدنا لنقدمه.

قد أكون مخطئاً، قد أكون قليل الخبرة، قد تكون توقعاتي غير صحيحة ماعدا واحدة أنا على يقين منها…يوم أموت…ستكون حركة المرور طبيعية.

تحية لمن عُمِدَ بالنار في “البحر”ين

13 أبريل 2012

يوم تشييع الشهيد أحمد إسماعيل

اليوم الخامس والستون من إضراب عبد الهادي الخواجة