نخبك سيدتي…

أنا لا أرد عادةً على مقالات السلطة لأني أعلم أنها مجرد صدى للصراخ الذي يتعالى في أروقة السلطة، ومن الواضح أن الصراخ وصل إلى أشده بعد أن سحقت أمالهم في الهروب من عواقب أفعالهم، وبعد أن أصبح واضحاً أن العالم لم يعد يصدق ما يدعيه النظام، لكن ومن باب الفائدة فإني سأرد على بعض المعلومات المغلوطة التي نشرت في الأيام الماضية.

قام أحد الكتاب بتخوين أحد المخالفين له في الرأي في مقال وإختار الحكم المناسب لهم في مقال أخر بإجرائه مقارنة للعقوبات المطروحة في دول أخرى، المشكلة في ما قام به ذلك الكاتب هو أنه يريد أن يكون القاضي، ربما يكون ذلك لإيمانه بأن النظام غير قادر على إدارة شركة طيران ناهيك عن دولة ونظام قضائي، خصوصاً أن النظام قد نفى التهم التي وجهها الكاتب عندما نقضت محكمة التمييز الحكم الصادر من محكمة عسكرية ضد رموز الحراك في البحرين، لكن الكثيرين لا يخجلون من أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك.

كون الكاتب قد ذكر القانون كمرجع لرأيه فمن المنصف أن نستخدم نفس المرجعية للرد، يجب أن نشير إلى أن المحكمة التي أصدرت الحكم في المرة الأولى لم تكن تابعة لقضاء مستقل على عكس ما نشر ولهذا فإن الحكم الصادر لا يمكن أن يستخدم كدليل بل هو مجرد إدعاء ورأي أفراد متحكمين في القضاء، ولكي أكون أكثر وضوحاً ولكي لا نترك مكاناً للجدل (ولفائدة القراء) في موضوع إستقلال القضاء فسأتبع طريقة مشابهة لما قام به الكاتب ولكن دون التجاوزات الغير منطقية التي قام بها.

أولاً فإن دستور دولة البحرين 1973/ دستور المنحة 2002 ينص على “يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطـات التشريعيـة والتنفيذية والقضائيـة مع تعاونـها وفقـا لأحكام هذا الدستور، ولا يجـوز لأي من السلطات الثلاث التنازل لغيرها عن كل أو بعض اختصاصاتـها المنصوص عليها في هذا الدستور” وعليه فإن مطلب القضاء المستقل مطلب يقره الدستور ولا غبار على شرعيته.

ثانياً فإن الأمم المتحدة وهي المنظمة التي وافقت البحرين على الإنضمام لها تنص في وثيقة “مبادئ أساسية بشأن استقلال السلطة القضائية اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المعقود في ميلانو من 26 آب/أغسطس إلى 6 أيلول/ديسمبر 1985″ تنص على”ﺘﻜﻔل ﺍﻟﺩﻭﻟﺔ ﺍﺴﺘﻘﻼل ﺍﻟﺴﻠﻁﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺌﻴﺔ ﻭﻴﻨﺹ ﻋﻠﻴﻪ ﺩﺴﺘﻭﺭ ﺍﻟﺒﻠﺩ ﺃﻭ ﻗﻭﺍﻨﻴﻨﻪ. ﻭﻤﻥ ﻭﺍﺠـﺏ ﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﻤﺅﺴﺴﺎﺕ ﺍﻟﺤﻜﻭﻤﻴﺔ ﻭﻏﻴﺭﻫﺎ ﻤﻥ ﺍﻟﻤﺅﺴﺴﺎﺕ ﺍﺤﺘﺭﺍﻡ ﻭﻤﺭﺍﻋـﺎﺓ ﺍﺴـﺘﻘﻼل ﺍﻟﺴـﻠﻁﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺌﻴﺔ”.

ولكي نبين بتفصيل أكثر ما نعنيه بالقضاء المستقل فإننا سنتبع بعض “الأساسيات” التي وضعتها الأمم المتحدة:

1) توفير الموارد للسلطة القضائية لممارسة سلطتها، وإذا لم تكن الموارد الموفرة لها مستقلة -كأن تخصص ميزانية مستقلة للقضاء وأن تضاف لها المبالغ الواردة من الغرامات وأموال العقوبات- فلا يمكن أن نتوقع أن يستطيع أي قاضي يعتمد في راتبه على ديوان الخدمة المدنية التابع للسلطة التنفيذية (الحكومة التي يدعو الأغلبية لإسقاطها) أن يستطيع إدانتها أو القبول بسقوطها.

2) السلطة على القضايا ذات الإختصاص، أي أن لا تتدخل أطراف أخرى في الأمور ذات الطابع القضائي كإصدار عفو كما حصل في قضية فساد البا مؤخراً، أو التأثير على سير القضاء بأي وسيلة أخرى من السلطة التنفيذية أو التشريعية.

3) كفالة الإجراءات القانونية المنصفة، الأمر الذي فشلت السلطة في توفيره كما نص تقرير بسيوني في المحاكم التي وجهت التهم للرموز سابقاً والتي لازالت قيد الجدل حالياً ولا يمكن أن يقال أن الإجراءات القانونية الحالية منصفة بتاتاً لأننا نرى كيف تنقض وتوجه الأحكام بشكل غريب.

4)تعيين القضاة، تتم هذه العملية عن طريق وزارة العدل التي تشكل لائحة يختار منها الملك من يعجبه ويصدر مرسوم بتعيينهم، أما قضاة المحكمة الوسطى والدنيا فتشكل وزارة العدل لائحة ليختار منها رئيس الوزراء من يعجبه ويعينهم بمرسوم، ولا يحتاجون سوى سنتين خبرة بالسلك القضائي ليكونوا مؤهلين، وبكون التعيين والعزل، والترقية والحوافز تتحكم بها السلطة التنفيذية فإنه من غير الممكن توقع إستقلالية القضاة وأقتبس هنا من بيان إعلان الجمهورية الأمريكية الذي شرحوا فيه أسباب الثورة ضد النظام ” لقد منع إستقلالية القضاء وجعل القضاة يعتمدون على رضاه من أجل إستمراريتهم في العمل وحجم راتبهم وضمان إستمراريته”.

كون النظام القضائي غير مستقل وغير عادل بشهادة لجان شكلها النظام فإنه من الواجب العمل على إصلاحها بدل العمل على إستبدالها بقلم الكاتب وإجراء المحاكمات على صفحات الصحف الصفراء.

ولو أردنا أن نطبق قوانين الدول التي ذكرها الكاتب فإنه من الجدير بالذكر أن القوانين التي فرضت ضد تغيير الدستور بالقوة صيغت بعد أن تمت صياغة القوانين التي تسمح بتغيير الدستور بدون القوة، هذا وإن الإستشهاد بجزء وإغماض العين على الباقي ينافي المنطق، فإذا أراد الكاتب أن يستشهد بقانون نظام فهل يقبل بتطبيق قوانينه في إنتخاب الحكومة وتغيير الدستور؟

ولو فرضنا جدلاً أننا سنطبق القانون على طريقة “لا تقربوا الصلاة” فإن القانون نص على “قلب النظام بإستخدام القوة” وعليه فإن الشرط هو إستخدام القوة، وبالقدر الكافي لإسقاط النظام، وهو الأمر الذي يفنده تقرير لجنة تقصي الحقائق حين نص وبكل وضوح أن قوات السلطة قد إستخدمت القوة المفرطة والغير ضرورية وأدى ذلك لسقوط قتلى، وعليه فإن كانت القوة المستخدمة من قبل الشرطة مفرطة وغير ضرورية فهذا يعني أن القوة المستخدمة من قبل المتظاهرين (إن وجدت) ليست بالقدر الذي يهدد النظام، هذا وفي غياب أي دليل على تحريض أي من الرموز على إستخدام القوة.

صرف الإنتباه عن مشكلة داخلية بمقارنتها بمشاكل دول أخرى هو تقنية يسميها البعض what-about-ism كانت تمارس وبشدة أيام الحرب الباردة، وكان الإتحاد السوفييتي يلقنها للمدافعين عنه، ووصلت لمرحلة جعلتها مادة للتندر، أحد المشاهد الفكاهية التي سخرت من هذه التقنية كان كالأتي: المذيع: ماذا تتوقع أن تكون الأسباب وراء إرتفاع سعر القمح في الإتحاد السوفييتي؟ ممثل النظام: في أمريكا يشنقون السود.

طرح الكاتب موضوع تغيير الدستور وهو “العقد” الإجتماعي الذي يجمع المواطنين و عليه فيجب ملاحظة أن دستور 2002 لم يأتي بالتعاقد إنما بإرادة منفردة، ثانياً الدستور يمكن إسقاطه أو تعديله طالما ينال القرار موافقة الأغلبية، في مصر تم التصويت على إسقاط الدستور أو تعديله بما يحمي الدولة من الرجوع إلى الديكتاتورية.

تساءل الكاتب عن ما قد يحدث في المملكة المتحدة لو خرج من يطالب بتغيير الدستور، وربما يكون الكاتب على غير دراية بالوضع السياسي خارج ممالك الملح التي نعيش بها، لذلك أحب أن أخبركم أن هناك مجموعة تطالب بالجمهورية في المملكة المتحدة أصبحت رسمية في 2003 وأستطاعت مؤخراً أن ترفع عدد أعضائها إلى ما يفوق 21 ألف عضو، تجمعهم القادم سيكون في الثالث من يونيو على جسر برج لندن (Tower Bridge) وبإمكان الكاتب العزيز مشاركتهم ولن تعرض صوره على التلفاز ثم يعتقل ويعذب وتوجه له تهمة “رحت جسر برج لندن” لأن الساسة يعلمون أن معالجة الأمور بغباء “مدقع” هو ما يأزمها ويجعلها نار “تطال ثوب أمه”

قد يغفر للكاتب ما قاله لو فرضنا أنه يحاول أن يضع الجميع في نفس الميزان وأنه يجهل معنى التغيير ويحاربه في كل مكان، لكن الكاتب نفسه كان قد إستضاف في برنامجه من يريد تغيير الدستور في دول مثل إيران وأعطاه من الوقت والإهتمام ما لم ينله أي مطالب بتغيير الدستور في البحرين، وهذه المفارقة ذكرتني بما قاله مظفر النواب…نخبك سيدتي…

ملاحظة: أعتقد أن إستخدام الكاتب لوصف “الحسناوات” قد يكون أول كلمة صدق ينطق بها في أكثر من سنة.

محمد حسن



أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s