لعنة ميداس

تذكر الأساطير اليونانية قصتين لملك من ملوك الإغريق اسمه ميداس Midas، تتحدث الأولى عن موهبة قدمت له من الآلهة بأن أعطتها اللمسة الذهبية، كل ما كان يلمسه كان يتحول إلى ذهب، أعطاه ذلك القدرة على أن يكون أغنى الملوك، ولكن كل الذهب في العالم لم يعطه السعادة فكان غير قادر على الأكل لأن الطعام الذي يلمسه يتحول إلى ذهب، بل تقول الأسطورة أن ميداس لمس أحد أبنائه فتحول إلى تمثال من ذهب فذهب إلى الآلهة يرجوهم أخذ تلك الموهبة التي أصبحت لعنة.

القصة الثانية التي ذُكر فيها ميداس كانت أنه كان يستمع إلى عزف إله و أحد أبناء الآلهة وسألوه من كان الأفضل ولم يختر عزف الإله أبولو فعاقبه الإله بأن مسخ أذنيه لتشابه أذني الحمار، فكان يغطيها بالطاقية الإفرنجية خجلاً ولم يكن يرفعها خوفاُ من أن يرى ذلك أحد، لكنه كان مضطراً إلى أن يحلق شعره بعد أن طال، فرفع الطاقية أمام حلاقه بعد أن هدده أنه لو أخبر أحداً بذلك سيقتله، حاول الحلاق جاهداً أن يخفي ذاك السر لكنه أعياه وجعله خائفاً من التواصل مع أصدقائه خوفاً من زلة تفضحه، بعد أن فاض به الأمر ولم يعد قادراً على إخفاء السر اتجه إلى تل بعيد عن المدينة وحفر حفرة فيها وصرخ “لدى ميداس أذني حمار” دون أن يسمعه أحد، لكن القصب الذي نبت على تلك التلة أصبح كلما هبت عليه ريح يصدر صوت الحلاق بنفس الجملة التي صرخ بها في الحفرة.

قبل أسبوع دُعيت للمشاركة في فعالية عن التحولات الثقافية التي صاحبت الربيع العربي، كانت الدعوة مفاجئة، أبلغت بها قبل وقت قصير جداً ولم أكن أرغب فعلاً بالمشاركة لأنها تذكرني بالفعاليات المملة التي كان بعض المثقفين ينظمونها في السنين التي سبقت الثورات والتي مللت من حضورها بعد مشاهدة التغيير الثقافي الفعلي الذي قام به مجموعة من الشباب الذي يرفض الركون إلى المقاهي والصالونات الثقافية، لحسن الحظ لم تكن هذه الفعالية كسابقاتها.

 قبلت تلك الدعوة لأني بصراحة احتجت لبعض الوقت لإعادة التفكير في التغير الذي مررت به في العام والنصف الماضي ولأنها فرصة للقاء الكثير من الأصدقاء، المفاجأة كانت أنه فور دخولي إلى المركز الثقافي وجدت في وجهي صور مألوفة جداً على الإعلان الداعي للفعالية، كانت صورة لجدار في البحرين كتب عليه متظاهرون شعارات مناوئة ثم مسحتها قوات النظام وأعيدت الكتابة وأعيد المسحوهكذا إلى أن أصبح الجدار مليئاً بعدة ألوان وكلمات تبدو وكأنها تحاول كسر الأصباغ التي استخدمت لتغطيتها لتخرج للعلن برسالتها، حين سألتهم من أين حصلوا على الصورة قالوا أن أحد المشاركين (غير بحريني) مر بقرية بالقرب من المطار فرأى ذاك الجدار وقرر أن يلتقط الصورة ويجعلها كمثال على الكبت وغياب مساحات التعبير الحر.

قد يبدو للوهلة الأولى أن النظام قد أُسبغت عليه نعمة من آلهة النفط التي خصصت له مبلغ يقارب 10 أضعاف ميزانيته السنوية من أجل القضاء على المطالب الديمقراطية، لكن في الحقيقة هي لعنته التي تقض مضجعه، فبالرغم من أطنان الذهب إلا أنه لا يستطيع أي من رموز هذا النظام الذهاب إلى أي قرى البحرين دون أن يرى الأصباغ على الجدران والتي كأنها صنعت من دماء الجرحى تحاول الخروج من الجدار والوصول إليه، أو دون أن تلاحقه أشباح القتلى وذكرياتهم ، أو أن يغير طريقه ليذهب بين الأزقة ليهرب من إطارات تغلق الشارع، ذاك الذهب اشترى له من يستطيع الكذب ولكن لم يستطع شراء من يصدق تلك الكذبة، فأصبحت شركات الإعلام التي يدفع لها الملايين كأنها تصنع طعام من ذهب، يدفع لها لتنتج طعام لا يمكن أكله، ولو حاول أن يمنعنا من الحديث عن شكل أذنيه فذلك لا يهم فعلاً، جدران البحرين كقصب أثينا كلما مر عليها ريح ستحمل معها الصوت ليسمع العالم كله صدى صرخات تطلق في الظلام كل ليلة وتقولارحل ارحل يا سفاح

محمد حسن



أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s