إلى الأخت العزيزة لميس، كلام يجب أن يقال…

إلى الأخت العزيزة لميس،

أعتذر عن الرد المتأخر عن سبق إصرار وترصد، فأنا لم أشاء أن أكتب هذه النقاط في وسط الصراخ الذي كان يتعالى على مقالك المعنون “ثورتنا بحاجة.. لثورة !” فارتأيت أن أنتظر قليلاً لعل صوتي يكون أكثر وضوحاً.

مما جذبني في مقالك قولك “أدوار السياسيين والحقوقيين منوطه بشكل كبير بتحركات الشارع ونحن نستمد قوتنا من ضغط الشارع على الحكم” وأيضاً “أشعر بخنجر يخترقني عندما يسألني احدهم مندهشاً : أما زالت هناك تحركات في البحرين.. الناس تزورها والحياة طبيعية !!” وهنا يجب أن أرد بنفس شجاعة الطرح لأقول: ثورتنا بحاجة… لنشطاء أفضل!

أتمنى ألا يُفهم كلامي كتحامل على أي شخص ولكني أحلل الوضع ببراغماتية اعتدت عليها بسبب الوقت الطويل الذي قضيته وسط الأرقام والنظريات مما جعلني قادراً على التجرد من المشاعر حين أحتاج إلى التوصيف العلمي.

شاهدنا وشاهد العالم كيف تحولت طالبة صغيرة من باكستان إلى أيقونة عالمية حتى أن اليونيسف قامت بوضع صورتها في حسابها الرسمي في تويتر ونُقلت قصتها بأكثر من عشر لغات و كتبت عنها المنظمات العالمية عدة تقارير بخصوصها، ومن ثم شاهدت كيف يعتقل من الجزيرة التي أنتمي لها 40 طالباً من باص المدرسة وكيف يعتقل الطلاب من المدرسة في جدحفص الصناعية والبلاد القديم ويمر الأمر مرور الكرام دون حتى مقال واحد من نشطائنا الكبار.

حين يسأل أحد “أما زالت هناك تحركات في البحرين” فإن الخلل ليس في المتظاهرين بل بكل صراحة هو في الإعلاميين الذين لا يستطيعون إيصال الصورة إلى العالم، سأعود إلى الأرقام التي طرحها وزير العدل حين قال أن البحرين شهدت خلال عام ما يزيد عن 12 ألف “عمل تخريبي” وكلنا نعرف أن الوزير كان يقصد أكثر من 12 ألف مسيرة خلال عام، أي حوالي 33 مسيرة كل يوم في البحرين، وإن كانت بعيدة على العاصمة في معظمها إلا أننا لا نستطيع أن ننسى أن سوريا لم تصل مسيراتها لوسط العاصمة ولكن هذا لم يمنع الإعلام من نقلها ولم تهم تلك المعلومة أياً من المتلقين.

ميدانياً لم تهدأ الأمور، رغم تكالب قوى الـ”خصوصيات” والقمع ضدها لمدة سنتين، بل إننا اليوم لم نعد نحتاج لجهة تدعو للتظاهر، ولم نعد نحتاج إلى قيادة مركزية تعطي الأوامر، نعم لقد أصبحت الثورة جزء من حياة الطفل والمرأة والشيخ والشباب، بالإمكان الرجوع إلى عدد المعتقلات وعدد الشيوخ المعتقلين وعدد الشباب وعدد الأطفال لنعرف أن الجميع مؤمن بالتغيير رغم غياب مؤشراته لمدة طويلة، ورغم فشل الإعلاميين والسياسيين في استثمار الحراك، بل إن أولئك الذين يعانون الأمرين يمتلكون من الأمل أكثر من السياسيين والإعلاميين ويرفعون شعاراً يجسد هبة السماء لهم ولعنتها على من يريدون استعبادهم، يرددون دوماً…”صمود”

حقوقياً قد حصحص الحق منذ أن نطق بسيوني بكلماته، فالسلطة التي كذبت مسبقاً ستكذب مجدداً مادام الكاذبون القدامى في مناصبهم وما دامت الأسباب التي دفعتهم للكذب لا تزال موجودة ولم تعد إدعائات النظام تجد إذناً مصغية.

سياسياً وإعلامياً نعاني من نقاط ضعف يجب الاعتراف بها لكي نستطيع الانتقال إلى الأمام، فلم نرى أي تحرك يذكر من أجل إنشاء تحالفات وتوحيد قوى سياسية على المستوى المحلي أو الإقليمي، وهناك من لا يزال يجهل حجم الحراك الشعبي كما أسلفتِ الذكر.

أما عن كون “الناس تزورها والحياة طبيعية” فهذا أمر طبيعي للثورة السلمية، فلو كان الشعب يريد أن يحرق البلد ويجعل من كل منطقة مزدحمة نقطة خوف ورعب لما عجز ولا خانته الوسائل التقليدية التي نعرفها من قصص الثورات والحراك التحرري سابقاً، لكنهم أنقى من ذلك ويحملون على محمل الجد مبادئ الرحمة والتسامح التي هي جزء من عقيدتهم وثقافتهم، وأسجل هنا استغرابي من كونك تستغربين أن زوار البحرين لا يرون الحراك الشعبي وهم مجرد سواح لا ناقة لهم ولا جمل ولا يستطيعون التغيير بتلك الدرجة الكبيرة بينما لمتي من أراد أن يري ولي العهد والذي هو “قطب” من أقطاب النظام ما يجري كل ليلة في قراهم في مناسبة نادرة جداً يرونه فيها، فهل هناك زوار VIP وزوار “البطة السودة”؟

وإما من لبسوا شعار “أنا الشهيد التالي”فهم رجال صدقوا ما عاهدوا…”، ولا يحب المساومة عليهم ولا الانتقاص مما يقدمونه، ولا يجب أن نعطي من يصطاد في الماء العكر فرصة للحديث عن “ثقافة الموت”، هؤلاء يبحثون عن الحياة الكريمة ونحن نريد أن يستمتعوا بالحرية التي نطلبها لهم، ولا أعتقد أن عدد الشهداء يصنع فرقاً، فلو كان ذلك صحيحاً لكان الحل في سوريا منذ شهور.

حلقة الإنتاج في الحقل السياسي كما في أي حقل أخر يجب أن تكون مكتملة لكي لا تضيع جهود أي مجموعة منتجة، لذلك فإننا يجب ألا نركز في الشهيد التالي بل كيف نستطيع تجنيب البلد المزيد من الشهداء والتركيز على كيف لا نضيع دماء من ضحوا من أجل وطن حر.

وأما الدفع بأن عدم لبس عبارة الشهيد التالي يسقط عنا بعض الواجبات فهو كأن أدفع أنا أنني لم أرغب في العمل السياسي ولذلك لا يجب علي أن أهتم بما يحصل، وأنا هنا أقولها وبصدق، أنا لم أرد أن أكون جزءاً من أي عمل سياسي، وكنت أستطيع مواصلة حياتي الطبيعية لو أردت، ولم أحمل شعار أنا الشهيد التالي بل حتى إنني أكره رفع علامة النصر، لكنني أعي أن اليوم الذي أضع نفسي فيه في حِلٍ من أداء الواجبات التي يقوم بها غيري فأنا لا أستحق الحقوق التي يطالبون بها، بل أكون حينها مجرد إقطاعي أخر أميز بيني وبين الآخرين كما يميز النظام بين ذوي العرق المصون وعامة الشعب، لن أحاكم الآخرين لأني ببساطة لا أريد من يحاكمني على خياراتي ولكني لن أدعي أنني غير ملزم بما أطالب الآخرين به.

 

مجموعة ملاحظات عابرة: يجب ألا نجعل أي شخص يخجل من إعطاء القليل، الحرمان أقل منه.

 

التغريد في تويتر أحد أنواع التعبئة ونشر الوعي ويعطي للعالم صورة مشرقة عن شعبية الثورة خصوصاً للذين يقضون معظم يومهم في العمل ولا يستطيعون المشاركة بصورة واسعة كما يتمنون.

 

النظام يدفع لشركات العلاقات العامة الملايين والمغردون ينسفون ذلك بدون مقابل فلا يجب أن نجعلهم يخجلون من ذلك.

 

المطالبة بمجلس يمتلك السلطة الرقابية ويمنع التفرد بالسلطة ويمنع البطش يقلل من مصداقية المطالب به عدم صبره على بعض المنتقدين بحروف تقل عن 140 حرف، كيف نتوقع ممن لا يصبر على ذلك أن يصبر على جلسات الاستجواب دون أن يحل المجلس كما حصل في 75 وجاء بنا إلى هذه الحالة الدكتاتورية البشعة؟

 

اعتقال علي سلمان وخليل المرزوق لن يخدم الثورة أبداً، كذلك لن يخدمها اعتقال طفل أو طفلة، يجب ألا نكيل بمكيالين لكي يصدق الناس أننا نطالب بالمساواة والعدل.